تحت عنوان «بطولة أوروبا 1992 – قصة الدانمارك الخيالية» كتبت BBC مقالًا عن الإنجاز الإسطوري لمنتخب الدانمارك لكرة القدم، ذلك الفريق الذي لم يستطع التأهل لبطولة أوروبا حينها بعد أن حل ثانيا في مجموعته خلف يوغوسلافيا في التصفيات المؤهلة للبطولة، لكنه كان سعيد الحظ بعد أن مُنعت يوغوسلافيا من المشاركة في البطولة لظروف الحرب. تم استدعاء الدانمارك على عجالة قبل البطولة بسبعة أيام فقط لتنضم إلى سبعة منتخبات أخرى أهمها بطل النسخة السابقة ، هولندا، ووصيفتها ألمانيا.

جاءت البداية باهتة بتعادل مع المنتخب الإنجليزي ثم هزيمة من السويد، الدولة المنظمة، لكن الحظ حالف منتخب الدانمارك في مباراته الثالثة واستطاع تحقيق فوز ضعيف على المنتخب الفرنسي بهدف مقابل لا شيء، لتتأهل الدانمارك للدور قبل النهائي في مواجهة نارية أمام الطواحين الهولندية، المرشح الأبرز لإحراز اللقب بقيادة فان باستن وريكاردو وخوليت. العملاق بيتر شمايكل حقق المفاجأة وقاد فريقه للنهائي بعد أن تألق في ضربات الجزاء بعد انتهاء الوقت الأصلي للمبارة بالتعادل 2-2. وفي السادس والعشرين من يونيو كانت تلك الدولة الصغيرة ذات الستة ملايين نسمة على موعد مع مشهد النهاية السعيد، كيم فيلفورت يسجل هدف فريقه الثاني قبل النهاية بعشرة دقائق ليقضي على آمال وطموحات الماكينات الألمانية ويتوج منتخب بلاده بطلًا للقارة العجوز.

كل بجعة رأيتها في حياتي هي بجعة بيضاء، إذن لا بجع أسود على الإطلاق.

اصطلح الأوروبيون على تسمية أي حدث غير متوقع أو مستحيل الحدوث بالبجعة السوداء بعد أن ظلوا يؤمنون بأن جميع البجع أبيض، إلى أن تم اكتشاف البجع الأسود في أستراليا في بدايات القرن الثامن عشر. وقد وضع نسيم طالب في كتابه «البجعة السوداء» ثلاثة شروط يجب أن تتوافر في أي حدث حتى يصنف بوصفه بجعة سوداء، أولها بالطبع أن يكون الحدث مفاجئًا وغير متوقع، وثانيهما أن يكون هذا الحدث ذا تأثير كبير، أما الشرط الثالث والأهم أن تظهر التحليلات والتفسيرات بعد وقوع الحدث لتؤكد أنه كان متوقعًا وواضحًا في حالة أقل ما توصف به هي الحكمة بأثر رجعي.

«الانقلاب كان حتميًّا سواء كان الرئيس من جماعة الإخوان أو من أي حزب آخر، وسواء استجاب الرئيس لرغبات القوى السياسية أو لم يستجب» … هكذا يردد الجميع بعد انقلاب العسكر في مصر في الثالث من يوليو عام 2013. يدعي الجميع الحكمة بأثر رجعي وكأن الجميع كان يرى الانقلاب وشيكًا وحتميًّا. في الوقت الذي يمكن لأي شخص بسهولة أن يتأكد من سواد بجعة هذا الانقلاب بالنظر إلى تصريحات نفس هؤلاء الأشخاص في الثاني من يوليو، فقط قبل هذا الانقلاب بيوم واحد، ليرى كيف كان الجميع على ثقة بأن الجيش سيدعم الشرعية، وأن سيناريو 1954 لن يتكرر. بجعة قاتمة حالكة السواد لن تنساها كتب التاريخ المصري.

الرابع والعشرون من يونيو 2016، أكثر من نصف البريطانيين صوتوا لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوروبي في حدث حاول البعض أن يصفه بوصفه بجعة سوداء، لكن الحقيقة أن استطلاعات الرأي التي سبقت الاستفتاء لم تكن بعيدة عن النتيجة النهائية. كانت النتيجة دائما متأرجحة بين البقاء والخروج، في الوقت الذي انبرت فيه وسائل الإعلام في حملة دعم قوية لـ Brexitمما يجعل النتيجة النهائية بجعة بيضاء إلى حد كبير.

لكن، وعلى النقيض من ذلك، جاء التاسع من نوفمبر ليحمل للعالم بجعة سوداء لم تراود المليارات حول العالم في أسوأ كوابيسهم. استيقظ العالم العربي صباح الأربعاء على منافسة حامية بين اللونين الأزرق والأحمر كان الأحمر هو المتفوق فيها. ظل الجميع يرددون بأن النهاية ستكون مختلفة وبأن الأزرق قادم حتمًا حالما ينتهي فرز الأصوات في الولايات التي اعتادت التصويت للديمقراطيين. لكن الرياح أتت بما لم تشتهه السفن وانحازت بنسلفانيا وويسكونسين وغيرها من الولايات الزرقاء إلى ترامب.

سيخرج الجميع الآن ليعلنون أنهم كانوا على دراية بما خبأه القدر لهذا العالم، سيزعمون أن المؤشرات كلها كانت في صالح ترامب رغم خسارته لغالبية استطلاعات الرأي ولاثنتين من مناظراته مع كلينتون، سيحاولون تبييض هذه البجعة لا لشيء إلا لترسيخ مبدأ البجعة السوداء بصورة أكبر دون أن يعلموا بذلك، سيظل الجميع يؤمنون بأنه لا بجع أسود وأنهم قادرون على التنبؤ بكل المستحيلات لكنهم أبدا لن يستطيعوا أن يتجنبوا آثارها الصادمة.

لقد عزى البعض خسارة هيلاري إلى التصويت العقابي بسبب كراهية المصوتين لها ولسياستها، والذي كان واضحًا كما حاول الجميع إيهامنا الآن، خسرت كلينتون معركتها في ويسكونسين لأنها اعتبرت أن المعركة محسومة لمصلحتها هناك ولم تقم بالدعاية اللازمة، كبار السن كانوا أكثر انحيازا لترامب، لم يستطع أي من الحزبين الاستمرار في البيت الأبيض لأكثر من ثماني سنوات منذ ثمانية عقود، بالإضافة إلى إدعاء عزوف الأمريكيين عن التصويت، كل هذه المبررات التي خرج بها المحللون بعد أن توج ترامب رئيسًا كانت محاولة بائسة لا أكثر لادعاء الحكمة بأثر رجعي. لكن الحقيقة أن ما حدث كان حدثًا غير مألوف سيظل العالم يعاني من تبعاته لفترة ليست بالقصيرة، ليس فقط بسبب عواقبه السياسية، وإنما بسبب المحاولات المضنية التي يبذلها الجميع لخداع أنفسهم ومحاولة الإفراط في تصوير ما حدث على كونه متوقعًا بدلا من محاولة توقع البجعات السوداء المقبلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ترامب
عرض التعليقات
تحميل المزيد