بينما كان مرشح الحزب الجمهوري «دونالد ترامب» بحاجة إلى أصوات 1237 مندوبًا أومفوضًا؛ من أجل خوض الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر المقبل، فقد استطاع الحصول على صوت 1238 مندوبًا، ليكون بذلك المرشح الرسمي للحزب الجمهوري.

إن الإستراتيجية التي اعتمدها «دونالد ترامب» في حملته في الانتخابات التمهيدية الأمريكية، والتي قامت على سذاجة الطرح وشعبوية التوجه ويمينيته المتشددة، لم تكن من وجهة نظري أمرًا عفويًا من ناحية أو تعبيرًا عن حقيقة برنامج هذا المرشح من ناحية أخرى، بقدر ما كانت في سياق خطاب وظيفي مؤقت تم توظيفه من أجل كسب قاعدة الحزب الجمهوري من اليمين المتشدد، خاصة البيض وحركة أو حزب الشاي هي الممثل لهم داخل الحزب الجمهوري.

لعل مرد ذلك يرجع «لخيانة قيادة الحزب لهذه القاعدة، سواء عبر عقد صفقات مع إدارة الرئيس باراك أوباما، كما في موضوع الميزانية العامة، أو عجزها عن عرقلة أجندته في موضوعات الضرائب، وبرنامج الرعاية الصحية والمهاجرين وتعريف الزواج»«1»، ومن ثم حاول ترامب اللعب على هذا الوتر، وتقمص دور الغاضب من سياسات المؤسسة التقليدية للحزب؛ ليجذب هذه القاعدة نحوه، ومن ثم من وجه إليهم الخطاب هم من فرضوه سواء بشعبويته وسذاجته أو تشدد أطروحاته وسياساته.

ولذلك فإن إستراتيجية ترامب في حملته الانتخابية في الانتخابات العامة التي ستجري في شهر نوفمبر المقبل، ستختلف كثيرًا في الشكل والمضمون، حيث سيغلب عليها قدر من الموضوعية والحكمة، والسعي نحو احتواء أكبر قدر ممكن من قطاعات الشعب الأمريكي، يمينه ويساره ووسطه، بيض وسود، مقيمين ومهاجرين؛ فقد أدى الخطاب السابق دوره ووظيفته في حسم الأمر بعد أن أصبح مرشح الحزب الجمهوري، بعد أن لعب ترامب على طبيعة الصراع الداخلي وتوازنات القوى الداخلية داخل الحزب، ومن ثم يأتي الخطاب الجديد وإستراتيجية جديدة لحملة أهم وأخطر وهي الانتخابات العامة، وما تفرضه من قاعدة تصويتية مختلفة تجمع جموع الشعب الأمريكي.

ولكن مرد هذا الخطاب الجديد الأكثر عقلانيةً وحكمةً، لن يكون رغبة أحادية الجانب من ناحية ترامب، بل هي رغبة مزدوجة من ترامب والمؤسسة التقليدية للحزب:

فترامب يسعى لتحقيق الفوز، ولكي يضمن الفوز ليس فقط يضمن اصطفاف الحزب الجمهوري بأكمله خلفه، بل عليه أن يجذب نسبة كبيرة من المحايدين والتي هي بمثابة كتلة ترجيحية تلعب دورًا حاسمًا في حسم الانتخابات، هذا فضلاً عن حاجته لاجتذاب بعض الأصوات من الحزب الديموقراطي، ومن ثم عليه أن يكون خطابه مجمعًا لكل هذه التكوينات المتباينة لا مفرقـًا لها من حوله. أضف إلى ذلك حاجة ترامب «لدعم البنية التحتية المالية والسياسية للّجنة الوطنية للحزب الجمهوري له؛ فحملته في حاجة إلى نحو مليار ونصف المليار دولار للانتخابات العامة، كما يتردد كثيرٌ من داعمي الحزب الجمهوري التقليديين في تقديم أيّة تعهدات مالية لحملة الحزب الرئاسية هذا العام بسبب ترامب، ومن هؤلاء شبكة «الأشقاء كوش» التي كانت تعهّدت بتسعمائة مليون دولار لحملة الحزب الرئاسية، غير أنّها الآن تربط أيّ دعم تقدّمه بتغيير ترامب أسلوبه وخطابه»«2».

أيضًا تحتاج قيادة الحزب ومؤسسته لتغيير هذا الخطاب؛ لأنها ترى في ترامب مرشحًا فرض عليها من خلال قاعدة الحزب التصويتية، بعد أن انسحب مرشحها الأساسي منذ بداية السباق «جيب بوش»، ومن ثم تغير هذا الخطاب ليس فقط لضمان فوز مرشح – لم تكن تبغيه أو تتخيل يومًا أنه سيكون مرشحها في الانتخابات العامة- بل أيضًا لرأب الصدع داخل الحزب وضمان تماسكه ووحدته، خاصة مع ما أثير عن إمكانية انقسام الحزب أو احتمالية أن تتجه مؤسسة الحزب لإنشاء حزب ثالث، وأخيرًا من أجل ضمان الفوز بأغلبية في انتخابات الكونجرس القادمة، فقد خشي الجمهوريون أن يؤدي الخطاب الكارثي لدونالد ترامب ليس فقط لخسارتهم كرسي الرئاسة، بل خسارة أيضًا الأغلبية في الكونجرس بغرفتيه مجلسي النواب والشيوخ.

ولكن، هل هناك سوابق تاريخية تمكننا من الاعتقاد بأن دونالد ترامب يمكن أن يغير من خطابه وأطروحاته؟ بالتأكيد نعم، فترامب كان في البداية منتميًا للحزب الديموقراطي، وكانت لديه موقف مختلفة عن اليمين المتشدد في قضايا كحق الإجهاض وغيرها، فترامب لا يمكن التعامل معه باعتباره سياسيًّا يمينيًّا محافظـًا بالمعنى التقليدي، بل هو سياسي وصولي شعبوي لا نخبوي لا يرتبط بمبادئ معينة ولا خطاب موحد ثابت يغيره كلما ارتأت المصلحة ذلك، فقد مول حملات لبعض المرشحين من الحزب الجمهوري والديموقراطي، والمفارقة أنه مول حملة هيلاري كلينتون إبان ترشحها لمجلس الشيوخ 2001.

هل ظهرت بوادر تلمح إلى أن ترامب سيغير من خطابه وإستراتيجية حملته في الانتخابات العامة؟ بالفعل ظهرت هذه البوادر، فخلال مؤتمره الصحفي والذي تلا الإعلان عن فوزه في الانتخابات التمهيدية، صرح دونالد ترامب ولأول مره بأنه يفكر في اختيار امرأة لمنصب نائب الرئيس في حال فوزه، أو مرشح ينتمي للأقليات، كما أعلن مدير حملة ترامب أنه سيعدل من آرائه ويخفف من حدة خطابه المثير للجدل، وظهر هذا التوجه من خلال تهرب ترامب من الإجابة عن سؤالين حول اقتراحاته منع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة«3».

ومن ثم فإنه بذلك يتراجع على الأقل على مستوى الخطاب عن معاداته العنصرية ضد المرأة والأقليات والمسلمين، وبالتأكيد سنشهد في الفترة المقبلة مزيدًا من التراجع عن هذا الخطاب السابق الساذج والشعبوي اليميني المتشدد، مع مزيد من الضغوط من قبل مؤسسة الحزب التقليدية وقيادته عليه، بالتوازي مع مزيد من حاجته لهذه المؤسسة سياسيًا وتمويليًا ولوجستيًا في الانتخابات العامة.

تجدر الإشارة إلى أن ترامب لن يتراجع بشكل كلي ومطلق عن كل أطروحاته، بل سيحاول ان يتراجع بشكل نسبي؛ لكي يحدث توازنـًا بين المكونات المختلفة من الشعب الأمريكي التي يرغب أن يحشدها خلفه في الانتخابات العامة في نوفمبر المقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ترامب
عرض التعليقات
تحميل المزيد