هناك في واشنطن بعيدا عن الشرق الأوسط، ودون دعوة الأطراف المعنية للتناقش في الأمر أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صريحة (القدس الموحدة) عاصمة لإسرائيل، وإلى جانب إعلانات الشذب والإدانة المتوقعة أضافت الدول العربية وعبارة تحذير تنذر بأن جهود عملية ستفشل بسبب هذا الإعلان المفاجئ الذي سيدفع باتجاه العنف.

إذًا فالأمر يتعلق بتهديد عملية التسوية، وليس في أهمية القدس بالنسبة للمسلمين والعرب، وليس في كون هذا القرار يسلب الفلسطينيين حقهم في عاصمتهم وينهي الملف الأكثر حساسية بين ملفات عملية التسوية دون مفاوضات حتى.

والسؤال بالنسبة للقضية الفلسطينية ومن يقودها على ماذا يكون التفاوض بعد التفريط في القدس؟ وهل يمكن تخيل الدولة الفلسطينية ضمن حل الدولتين بعاصمة أخرى دون القدس؟ وهل تملك السلطة الفلسطينية بالفعل خيارات للتصعيد والضغط؟

التساؤل الأهم الذي يطرح هنا هل كان إعلان ترامب مفاجئ لمحور الاعتدال، وهل حقا يهدد بفشل عملية التسوية، أم أنه خطوة من خطواتها ضمن ما يسمى (صفقة القرن)، وبالتالي ستليها خطوات بالطريقة ذاتها أو بطرق مشابهة تنهي ملفات الحل النهائي بشكل متوالي.

ربما يؤكد إمكانية علم العرب وموافقتهم على قرار ترامب هو الحديث عن عرض ولي العهد السعودي على الرئيس الفلسطيني القبول ببلدة أبوديس الواقعة شرق القدس عاصمة لدولة فلسطين كما نشرت صحيفة نيويورك تايمز قبل أيام من إعلان ترامب بشأن القدس، وهو ما نفته السلطة الفلسطينية.

وبناءَ على ما سبق هل يمكن القول هنا أن السعودية معنية بتسريع خطوات الصفقة للوصول مع حلفائها إلى إعلان تطبيع العلاقات مع إسرائيل، والذي بات الحديث عنه شبه علني من أجل استمالة الولايات المتحدة، وبالتالي الحصول على دعم أكبر في مواجهة إيران.

وأما إعلان السلطة الفلسطينية عن رفض استقبال مايك بنس نائب ترامب الذي أجل زيارته للمنطقة، فهو لا يؤكد أي انهيار أو تشققات في عملية التسوية التي ما زالت القيادة الفلسطينية تتمسك بها مع غياب أي دلائل على التوجه للتفريط في الهدوء المفروض على الضفة الغربية.

وكان تصريح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير عن أن أمريكا ما زالت وسيطا نزيها للسلام كرد على تصريح الرئيس الفلسطيني محمود عباس في القمة الإسلامية بإسطنبول والذي أعلن فيه أن أمريكا لم تعد وسيطا في عملية السلام، ليؤكد الجبير أن عملية التسوية ستمضي في هذا الاتجاه على طريقة ترامب وبمباركة عربية.

والآن بعد تراجع حدة الغضب الجماهيري في العربي والفلسطيني الذي تلا إعلان ترامب والذي فشلت الفصائل الفلسطينية في استثماره خاصة في الضفة الغربية، يحذر رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية من وجود معلومات عن استعداد الإدارة الأمريكية للاعتراف بيهودية الدولة والاعتراف بضم مستوطنات الضفة لإسرائيل.

يأتي هذا ضمن استعدادات لدى الليكود الحزب الحاكم في إسرائيل للإعلان قريبا عن ضم مستوطنات الضفة والقدس كاملة لإسرائيل، والذي سيكون بمباركة سريعة من البيت الأبيض في حال حصوله.

إذًا فقد كان إعلان القدس عاصمة لإسرائيل بداية إعلان عن بداية عملية التسوية وليس تهديدا لها، تسوية بطريقة تريح البيت الأبيض وتحقق أحلام الليكود، وتنهى فيها ملفات الحل النهائي بالسرعة التي ترضي ابن سلمان وحلفائه.

الخطورة تكمن في أن يُمرر قرار ضم المستوطنات والقدس بسهولة وبالتالي سيكون وضعنا أكثر صعوبة عند إنهاء باقي الملفات مثل حق اللاجئين، وسؤال الدولة الفلسطينية، وأحقية المسلمين في المسجد الأقصى.

لكن بالطبع يبقى بصيص أمل في التحرك الجماهيري الواسع في العالم العربي الرافض لقرار ترامب والذي يمكن أن يؤسس لوعي جماعي مناهض للتسوية، وبالتأكيد لن يرضى الشعب الفلسطيني بحلول تجرده من كل حقوقه، ولن تنتهي قضية عمرها قرن بصفقة عابرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد