ذكرى قرار التقسيم

في ذكرى قرار التقسيم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1947، فلسطين ليست ممتنة لأي دولة عربية بعثت لها جنودًا عام 1948، كما أنها غير مسئولة عن موت بعضهم أو توهانهم في مناطقها، وتركهم دون طعام وعتاد، وحتى دون خطة وتنسيق وتنظيم لعملياتهم العسكرية التي من المفترض أنهم قدموا لأجلها، بل حتى قدومهم كان متأخرًا جدًّا، فما تحرك جندي منهم إلا بعد سقوط المدن الرئيسية ومئات القرى الفلسطينية، وأعلن قيام ما سمي بإسرائيل، وما أتاها من دعم حقيقي كان من كتائب المتطوعين، الذين أعدم منهم الكثير حين عادوا لأوطانهم بعد سقوط فلسطين.

أما عن جنود تلك الجيوش التي زعمت أن هدفها تحرير ما احتل فقد كانوا ضحايا أطماع رؤسائهم، وملوكهم، وقياداتهم العسكرية الذين ما بعثوهم إلا بعد فشل مفاوضاتهم مع الاحتلال بضم بعض الأراضي الفلسطينية لنفوذهم. كانوا وكنا ضحايا مؤامرات حيكت خيوطها قبل احتلال فلسطين بعشرات السنين.

كان قدوم تلك الجيوش سببًا رئيسيًّا بسقوط فلسطين، فقد أخذوا السلاح من المواطنين بحجة تنظيم القتال وفق جيش منظم ثم هزموا، ومنهم من لم يدخل قتالًا أصلًا، وعادوا من حيث أتوا، فلا قاتلوا بحق ولا تركوا السلاح لأهله ليقاوموا ويحرروا، وسقط ما تبقى من فلسطين.

ثم قادوا انقلابات في بلادهم ادعوا أن سببها الرئيسي هزيمة فلسطين وطموحهم بتحريرها، ولا أعلم كيف يسقط هدف رئيسي من مخططاتهم، إلا إذا كان كذبًا ويهدف لكسب جماهير مخدوعة لتحقيق أطماع شخصية بالسلطة والنفوذ من أفراد وجماعات منحرفة أخلاقيًّا واجتماعيًّا ثبتت عمالتها مع الزمن، وكشف زيفهم، وزيف ما ادعوه، وحولوا بلادهم إلى دول محتلة بالوكالة، وأغرقوها بمستنقع الجهل والفقر وأعدموا الحياة السياسية فيها، وأصبحوا البوق الوحيد الذي ينعق ليدب الرعب في البلاد، حتى الطبيعة وآثار تاريخ مضى لم يسلموا من عداوتهم، وعمدوا إلى تشويه كل جميل بينما حرص عليه المستعمر، وبنظرة بسيطة لدول عاشت كوارث ودمار خرجت منها حطامًا وفتاتًا، ولا تملك ربع ما ببلاد العرب من موارد وثروات كألمانيا، واليابان، إلا أنها قامت من حطاطها بقترة لا تعد شيئًا من الزمن لتقود تطورًا وتقدمًا عالميًّا، وننظر إلى بلادنا وما آل إليه حال البشر والحجر فيها سنرى مدى العمالة والخيانة التي كانت أسوأ من ألف احتلال مباشر.

كما بدت لنا هذه الحقيقة جلية بالثورات التي كانت وما زالت مستمرة بكونها كاشفة وفاضحة لهم، فحين تحركت تلك الشعوب رأت أضعاف ما رآه أهل فلسطين من الاحتلال من شراسة، وقتل، وتدمير، وثبت يقينا أنهم سبب رئيسي في سقوط فلسطين وبقائها محتله حتى اليوم، بل احتلال مناطق أخرى من الجوار، بتمثيليات لم تكن سوى صفقة تسليم مستترة لإخفاء علاقاتهم غير الشرعية مع كيان غير شرعي أثمرت عن نسل غير شرعي تتبرأ منه الأمة، جَهر بما أخفاه أباؤه الأولون، بل أضحى متفاخرًا بتك العلاقة، مضفيًا عليها شرعية، وجاء تصريح ترامب الأسبوع الأخير ليتوج هذه العلاقات الآثمة بقوله: «لولا السعودية لكانت إسرائيل في ورطة كبيرة»، ومع أننا لم نكن ننتظر ترامب ليؤكد لنا حقيقة أنه لولا هذه الأنظمة ما قام ولا استمر الاحتلال، فإنه صدق وكذبوا هم قرنًا بأكمله، ولا عتب عليهم بمشاركتهم في احتلال فلسطين، وقد شاركوا في احتلال الأمة بأكملها وتقسيمها ليجلسوا بعدها كلاب حراسة للاحتلال، ويحكموا نيابة عنه سجونًا أسموها دولًا.

هم غير شرعيين، قدومهم لم يكن شرعيًّا في يوم من الأيام، هم نتاج علاقات محرمة بين أشخاص خائنين وكيان غاصب معتد، وقد عاونه أولياؤهم لينجح باعتدائه، لذلك فقدومهم غير شرعي، فما أتوا للأمة إلا على ظهر دبابة وجهت نيرانها نحو الشعب إذا واجهه بتلك الحقيقة.

هم ليسوا شرعيين، ويريدون كل ما حولهم غير شرعي؛ لذلك يسجنون كل ما أتى بصورة ديمقراطية وأكسبه الشعب شرعية بصندوق اقتراع، ويحاولون بكل ما في الأرض من شر وشراسة ليئدوا محاولات الشعوب لتعيش بحرية وفق اختياراتها، ورفض علاقاتهم غير المشروعة دينيًّا واجتماعيًّا، ويسجنون المنتخب ومن انتخبه ليعيش المنقلب ومن والاه، وليبقى صوت البوق الواحد يزمجر: «ما لكم من إله غيري» و«ما أريكم إلا ما أرى» و«إياي فاتبعون»، لكن تلك الشعوب رغم أنينها تحت وطأة خيانتهم وطغيانهم أراها ترد، وإن كان بعضها همسًا وبعضها بقلبه «لا إله إلا الله»، وتصر على الوصول لمرحلة «أمرهم شورى بينهم»، وكل ما حدث ويحدث بالثماني سنوات الأخيرة هو ثورة فكرية بالمستوى الأول، وقد أقيمت علينا جميعًا الحجة بعد أن وضحت كل هذه الأمور لمن لم يكن قد اتضح له الأمر بعد، الأمور كلها وضحت ورؤوس الخيانة باتت ظاهرة للعيان أكثر من أي وقت مضى، وبهذا يمكن مقاومتها، فأن تقاوم عدوًّا ظاهرًا أسهل بكثير من مقاومة عدو تجهله أو بعيد عن ناظريك لا تدري كيف، ومتى يتربص بك.

أخيرًا الاحتلال هو اختلال هرموني بجسد الأمة، وسينتهي عند انتهاء المرض المتمثل في الأنظمة العربية المحتلة، فطبيعي عند زوال المرض أن تزول كافة أعراضه، ورغم أنه بالنظرة المجردة لا نرى ذلك فإن مآلات الأمور كلها لخير؛ لأنه وبرغم كل التخبط بهذا الجسد فإنه لديه ما يقوي مناعته، وما يجري من عصف فيه هو بأمر الله لاستخراج هذه المادة لتقوية المناعة، وحاليًا نراها تتململ من آلام مخاض ميلاد عظيم قريب بإذن الله، ويرن بآذانها كلمات أول رئيس شرعي «قلوبنا جميعًا تتوق إلى بيت المقدس».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد