في تصريح للرئيس دونالد ترامب، حول الحرب التجارية الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين قال: كان يجب على أحد أن يفعلها، وأنا هو الشخص المختار. مقتبسًا هذه العبارة من التوراة، مشيرًا بوجهه إلى السماء، يريد أن يلقي قداسة على حرب هو المختار من قبل السماء ليكون زعيمها. وممثلًا لشعب مختار أيضًا، أناطت به السماء واجب الحضارة وقبض فواتيرها.

قداسة وعبارات تدل على نظرة التفوق العرقي، طالما ترددت على ألسنة بعض زعماء أمريكا وسياسييها. كالتي ألقاها المستعمر الأوربي الأول للعالم الجديد على حروبه ضد الهنود الحمر؛ فقد كانت المجازر التي ارتكبها المستعمر الأوروبي، يوم نزل على شواطئ العالم الجديد بحق الهنود الحمر في نظره هوامش على دفتر حروبه المقدسة، بكونه الشعب المختار، وفاتورة انتشار الحضارة يجيب على الشعوب الأدنى أو البربرية دفعها.

لقد شكلت فكرة تفوق العرق، والاصطفاء، والواجب المقدس المناط بالشعب الأمريكي في نشر الحضارة لدى بعض تياراته الأصل الأسطوري لمعظم سياسات وتاريخ أمريكا، ومركزيتها العنصرية الأنجلوسكسونية.

فقد شيّدت أمريكا صرحها الحضاري الديمقراطي العظيم على أشلاء شعب كامل، راح ضحية لانتشار الحضارة، كان لا بد عنها في سبيل تحقيق رؤية أمريكا استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة.

في هذا المقال أستعرض مستقيًا من كتاب حق التضحية بالآخر ومعتمدًا عليه كمرجع لما أقول، تيارًا أو جانبًا من الفكر الأمريكي، الذي يشكل أساسيات سياساته بناء على نظرته العرقية الفوقية والعنصرية تجاه الشعوب الآخرى. وأستعرض مجازر انتشار الحضارة الأمريكي، والتي راح ضحيتها أكثر من 112 مليون إنسان ينتمون لأكثر من 400 أمة وقبيلة، بأبشع وأقذر الطرق.

يشكل المتبقون منهم اليوم 5.1٪ من الشعب الأمريكي، يعيشون بين نار حسرتين، حسرة اغتيال شعبهم في الماضي، وحسرة الاغتيال الهوليودي لثقافتهم وحضارتهم الغابرة.

البداية

كان إبحار سفينة ماي فلور (Mayflower) أولى طلائع سفن الاستعمار الأوروبي للعالم الجديد، في السادس من شهر سبتمبر (أيلول) عام 1620، من إنجلترا إلى ماسوشتس في الشمال الأمريكي بداية لإحدى أكبر وأبشع المجازر، وحملات القتل الممنهجة التي شهدها التاريخ البشري وأطولها؛ حيث استمرت قرون عدة.

كان الغزاة الَّذين حملتهم ماي فلور، أو مَن يسمون بالحجاج أو القديسين الأوائل يعتبرون أنفسهم يهود الروح، والموعدين بدخول أرض كنعان التي حُرم منها يهود العرق. فعندما وصولوا إلى العالم الجديد أطلقوا عليه اسم أرض الميعاد وكنعان الجديد وإسرائيل الله الجديدة وغير ذلك من التسميات التي أطلقها العبرانيون القدامى على أرض فلسطين.

تُعتبر قصة هؤلاء الغزاة – الحجاج كما ينظرون إليهم – الفارين بأنفسهم من فرعون بريطانيا وبطشه، والَّذين أسسوا أول مستعمرة في ما يُعرف اليوم بالولايات المتحدة الأمريكية، بداية الأسطورة الأمريكية. وذكرى عهدهم الَّذي عقدوه مع يهوه على متن السفينة الأسطورية Mayflower التي نالت بدورها قداسة عظيمة عند الشعب الأمريكي اليوم، ونجاتهم من التيه ووصولهم إلى أرض الميعاد عيد شكر يحتفل به كلّ بيتٍ أمريكي. وهو أقدس الأعياد القومية والدينية لديهم.

إذ منحهم الله كنعان العالم الجديد عوضًا عن كنعان الشرق؛ أرض هي أغنى وأوسع وأخصب وفوق ما كانوا يرجون ويأملون حتى قالوا: لقد وجدنا أرضًا مواعدة، أكثر من أرض الميعاد. فبدلًا عن اللبن وجدنا اللؤلؤ، وبدلًا عن العسل وجدنا الذهب.

لقد كان المهاجرين الأوائل يطلقون أسماء عبرانية على أنفسهم إبراهام، وسارة، وأليعازر.. وكانوا يفرضون تعلم العبرية في مدارسهم ومجتمعاتهم، إن أول دكتوراه منحتها جامعة هارفارد عام 1642 تحمل عنوان العبرية هي اللغة الأم، وأول كتاب صدر في ما يعرف اليوم في بأمريكا هو سفر المازامير، وأول مجلة صدرت عنوانها اليهودي بحسب كتاب سمير مرقص عن الحماية والعقاب الغرب والمسألة الدينية.

إنَّ أوجه الشبه والاعتقاد كبيرة بينهم وبين دولة إسرائيل، التي تعد قاعدة أو مستوطنة زرعتها أمريكا والغرب في قلب العالم العربي، لشل أي نهضة أو مشروع وحدوي في مهده. كلاهما زعم حقًا – بأرض بلا شعب لشعب بلا أرض- عندما نزلوا الجزيرة كان مصير الأمم الأخرى الدمار والفناء، كما حصل مع الشعب الفلسطيني يوم نزل اليهود في أرضه.

المجازر

إن المستعمر الأوروبي، كان يرى في نفسه المختار من قبل الربّ الّذي خلع عليه أوليفر كرومويل الجنسية الأمريكية (God is an Englishman) لنشر الحضارة.

ويرى في إبادة الهنود الحمر ضررًا هامشيًا لانتشار الحضارة لا مفر منه، واليوم ينظر إليها على أنها مجرد مأساة غير مقصودة، رغم رغبة المستعمر الأوروبي الجادة في المحافظة على حياة الهنود. كانت المجازر تنتشر في الشمال الأمريكي، فوق مساحة أكبر من أوروبا بنصف مليون ميل مربع، استخدم فيها كلّ طرق الإبادة القذرة.

فاستخدم الحرب الجرثومية في إبادتهم، هذا السلاح القذر الذي حصد ملايين من الأرواح عن طريق تسميم أنهارهم ومحاصيلهم، وإهدائهم ألبسة وبطانيات موبوءة تحمل في طياتها الكوليرا والجدري والتيفوئيد والحصبة. في مجزرة هي الأكبر والأطول في التاريخ الإنساني.

وفي حملات التهجير التي شنها، كانوا يحرقون المحاصيل الزراعية والأشجار المثمرة، بهدف قتل مصدر الحياة الرئيسي لدى الهنود.

ولم يكن حال الَّذين تم ترحيلهم بأحسن من أولئك الَّذين تم استعبادهم لأجل أعمال السخرة، في ظروف قاسية تهدف لقتل الهندي ولا تساعد في بقاءه حيًا.

وبعد أن سن الكونجرس، في عام 1830 قانون ترحيل الهنود بالقوة من شرق المسيسبي إلى غربه، صار من حق كلّ مستوطن أن يطرد الهندي من بيته وأرضه، وأن يقتله إذ ا لم يستجب ويهم بالرحيل، وكانت رحلة الدموع (trial of tears) أولى ثمار هذا القانون. ثمَّ رصدت السلطات الاستعمارية المكافآت والجوائز القيمة لمَن يقتل هندي أحمر ويأتي برأسه، سواء كان هذا الهندي طفلًا أو امرأة أو شيخًا كبيرًا، لا فرق سوى في التسعيرة فمبلغ الجائزة 100 جنيه إسترليني لرأس الرجل، و50 لرأس الطفل والمرأة. وسرعان ما انتشر وحوش المستعمر وصياديه في أرجاء الوطن الجديد، يقتلعون الرؤوس، ويتفاخرون بأعداد ضحاياهم، ويصنعون ألبستهم من جلود الهنود الحمر، وعندما أعياهم حمل الرؤوس لكثرتها، اكتفوا بفروة الرأس ليخف عليهم العناء.

ثمَّ ما لبثت أن بدأت حفلات السلخ والتمثيل، يحضرها علية القوم، فقط للمتعة والتسلية، وكانوا يأمرون الجزارين بالتمهل في السلخ، ليتسنى للحضور الإستمتاع بالمشاهدة.

وإلى اليوم، لم تعترف الولايات المتحدة الأمريكية بعدد الهنود الذين أبيدوا في الشمال الأمريكي، منذ بداية الغزو الأبيض. ولا تعترف لهم بتاريخ أو حضارة، وإنما تعرّفهم بأنَّهم وحوش متخلفة بهيئة إنسانية، يلفون الريش حول رؤوسهم، ويرقصون أمام النيران، ويقتلون أيّ متحضرٍ يرونه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات