على مدى سنوات طويلة، تُعقد بشكل دوري ما يسمى بـ«القمة العربية» التي تستضيفها كل دولة عضو فيما يسمي بـ«جامعة الدول العربية» والتي تعتبر من أقدم المنظمات الدولية.

ومن خلال هذه القمم يصدر المجتمعون – رؤساء دول وحكومات – قرارتهم العنترية التي تحمل التنديد والتحذير والوعيد والمطالبة باسترداد الأراضي العربية المحتلة منها هضبة الجولان السورية والجزر الإماراتية المحتلة من إيران وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو (حزيران) ورفع الحصار الإسرائيلي عن غزة وغيرها من المطالب.

وكنا نظن أن مثل هذه الاجتماعات تأخذ الصفة الجدية أو بالأحرى ستُعدّل «الحال المايل» في الوطن العربي وكنا ـ ولا يزال الكثير منا ـ نتابع بحماس مفرط هذه القمم على شاشات التلفاز، لكن الحقيقة المرة التي عرفت فيما بعد أن القرارات التي يصدرها المجتمعون كانت كما يقولون باللغة العامية «فض مجالس»، والتي لا تعني شيئا من حيث التنفيذ، فلا هضبة الجولان تم استردادها ولا الأراضي العربية تم تحريرها من قبضة الصهاينة ولا قامت سوق عربية ومشتركة ولا تم حل القضايا العربية العالقة… إلخ.

كل ما في الأمر أن مثل هذه القمم كانت منصة للمزايدة والتنمر والخناقات أحيانًا بين المجتمعين وقرارات غير ملزمة للطرف الآخر.

يوم الاثنين الماضي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل علني سيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية مترجما تدوينته على أرض الواقع والتي أطلقها الخميس الماضي وقال فيها «بعد 52 عامًا، حان الوقت لاعتراف الولايات المتحدة الكامل بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان التي لها أهمية استراتيجية وأمنية حيوية لدولة إسرائيل والاستقرار الإقليمي».

أعطى ترامب هدية انتخابية ثمينة لبنيامين نتنياهو في الانتخابات التشريعية القادمة المزمع اجراؤها أبريل (نيسان) القادم.

وكرد فعل يجسد المنافسة الأمريكية الروسية حول العالم وخاصة في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط، أعلن السناتور الروسي فلاديمير جباروف بأن تصريحات ترامب دليل على عدم رضا واشنطن عن بدء التسوية السلمية في سوريا، حسب ما جاء في موقع روسيا اليوم.

وقال جباروف، نائب رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي، معلقا على تدوينه ترامب في حديث لوكالة «نوفوستي» «ما إن بدأت الأوضاع في الشرق الأوسط بالتهدئة وبدأت عملية التسوية السلمية في سوريا، حتى حاولت الولايات المتحدة صب الزيت على النار.

وأضاف أن «الأمريكيين لا يريدون السلام في هذه المنطقة، وهم بحاجة إلى الحرب ويهتمون بمبيعات أسلحتهم».

لم يتوقف السيناتور عند هذا الحد، بل قال: إن تصريحات ترامب قد تؤدي إلى «الإخلال بالتوازن الهش في العالم العربي، وستبدأ هناك استفزازات ضد إسرائيل وقد تندلع هناك اشتباكات».

وكان لابد من إشادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بموقف ترامب الداعم بشكل دائم للكيان الصهيوني، في ظل الصمت والضعف العربي رغم أن معظم الدول العربية تشتري السلاح الأمريكي بكثافة وتخصص جزءًا كبيرًا من ميزانياتها له وهذا يصب في إنعاش خزانة الولايات المتحدة بمئات المليارات من الدولارات.

لخص البرلماني الروسي الحال العربي المزري الآن ووصفه بـ«التوازن الهش في العالم العربي» رغم أن الروس أنفسهم استغلوا هذا الوضع في تحقيق مكاسب لصالحهم من خلال دعم بشار الأسد في سوريا وإمداده بالسلاح والعتاد لوأد الثورة السورية هناك.

لم يكن ترامب أو أي رئيس آخر يجرؤ على مثل هذه التصريحات المستفزة والوقحة إلا بعدما تأكد من ضعف حال الدول العربية والتي أصبحت لا «بتهش ولا بتنش»، وانكفأت على نفسها في ظل الصراعات الدموية التي أذكتها أطرافًا دولية منها الولايات المتحدة وروسيا وغيرهما، فالوضع العربي الآن في أسوأ حالاته.

أعتقدُ أن ما قاله ترامب هو جزء من خطته التي ترمي إلى إفراغ قضية الصراع العربي الإسرائيلي من مضمونها والعودة إلى نقطة الصفر فيما يخص المفاوضات المتعلقة بالشأن الفلسطيني أو السوري أو اللبناني فيما يتعلق بالأراضي التي احتلتها إسرائيل منذ عام 1967، والمضي قدما في تنفيذ صفقة القرن.

لم يكن الأمين العام لجامعة الدول العربية يقف صامتا – رغم أن كلامه وصمته سواء – على تصريحات ترامب، حيث أكد «أن الجولان أرض سورية محتلة وأي اعتراف بسيادة إسرائيلية عليه غير ذي حيثية قانونية ولا يترتب عليه حقوق والتزامات»، كما جاء في التصريح الذي نشرته وسائل الإعلام.

وقال إن «التصريحات الصادرة عن أقطاب الإدارة الأمريكية والتي تمهد لاعتراف رسمي أمريكي بسيادة إسرائيلية على الجولان السوري المحتل تعتبر خارجة بشكل كامل عن القانون الدولي ولا يحق لدولة مهما كان شأنها أن تأخذ مثل هذا الموقف».

في الحقيقة كانت هناك ردود أفعال دولية وإقليمية رافضة لإعلان ترامب منها الاتحاد الأوربي وتركيا والرئيس الفلسطيني محمود عباس وسوريا ومصر والأردن وغيرها. لكنها أيضا مجرد تنديدات «أقوال لا أفعال» ولن تفيد شيئا لأن الضعف العربي هو سيد الموقف ولن يتم إنقاذ الجولان ولا غيرها من الأراضي المحتلة.

كلنا نعرف كعرب أن مرتفعات الجولان هي أرض سورية محتلة في عين القانون الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن، لكن ماذا فعل القادة العرب لترجمة هذا على أرض الواقع؟

لا شيء تم تحقيقه في هذا الملف، بل إن الوضع تعرض لانتكاسات كبيرة بعد تولى ترامب السلطة، وراحت إسرائيل – بدعم منه وبصمت عربي وبدعم من أطراف عربية أيضًا – تنتهك المقدسات على مرأى ومسمع من هؤلاء القادة الذين لم تعد قضية تسوية الصراع تهمهم بالمعني الحقيقي، بل مجرد «تأدية واجب».

التحرك العربي على المستوى الدولي ضعيف جدًا، لا يقارن بحجم المشكلات التي تتعرض لها الدول العربية، صحيح نسمع بشكل متكرر تصريحات مرضية نوعا ما من قادة عرب، لكنها سرعان ما تتبخر وتتلاشي في الفضاء الفسيح.

اهتم كل قُطر عربي بمشكلاته والتحديات التي تواجهه وغفل عن المشكلة الأساسية والتحدي الأكبر وهو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والذي أصبحت آثاره مثل مرض السرطان الفتاك.

منذ متى والجامعة العربية تحل المشكلات العربية؟ أين كان صوتها فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو الأزمة السورية أو اليمينة أو الليبية أو غيرها؟ ولماذا لم تنفذ قرارات الشرعية الدولية بشأن تلك الازمات والمشكلات؟

قطاع عريض من الشعوب العربية غير راضية عن الوضع العربي الحالي الضعيف والمستكين والمزرى، تريد هبّة وانتفاضة قوية ضد الهيمنة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي وتصويب الأخطاء ومعالجة الصراعات وإعادة اللحمة القوية بين الأشقاء العرب، لكن هذا ربما يستغرق وقتًا طويلًا، وربما لا يرى هذا الجيل هذه الانتفاضة رغم إيمان قطاع عريض منه بمركزية القضية الفلسطينية وبأن الكيان الصهيوني كيان محتل وغاصب للأرض وسيأتي اليوم الذي يتم فيه استرداد كل الأراضي العربية المحتلة، نتمنى أن نكون وقتها على قيد الحياة حتى نشارك في هذا الشرف العظيم ونخرص ألسنة كل رؤساء الدول الوقحة!

لن تنتهي مكاسب إسرائيل عند هذا الحد، بل ستتضاعف في ظل الضعف والانقسام العربي وستهنأ بالاستقرار التام وبتحقيق مكاسب إضافية سياسية وعسكرية واستراتيجية واقتصادية وغيرها.. وسيظل العرب في خسارة مستمرة طالما أن الصف غير موحد والقبلة ليست واحدة.

قرأت في تعليق لسفير عربي سابق تعليقه عن الجولان الذي قال فيه إن الجولان ستعود يومًا ما، ولكن إذا عادت الآن إلى من ستعود؟ إلى بشار، أم الدولة الإسلامية، أم حزب الله، أم إيران، أم الجيش السوري الحر؟

هذا تفكير بعض النخبة من العرب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد