تناقل المصريون خلال الأسبوع الماضي مقالًا نُشر على نيويورك تايمز بعد ساعات من تنصيب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية يشبه فيه كاتب المقال ترامب بالسيسي واصفًا الأول بأنه “السيسي الأمريكاني”. الحقيقة عنوان المقال يبدو مُثيرًا للوهلة الأولى وكان عاملًا في انتشار المقال بلا شك لكن إعادة التفكير في عنوان المقال أو في فكرة المقال نفسه يجعلني لا أتفق كثيرًا معه.

المقال راق للكثيرين ربما لرغبتهم في السخرية أو “معايرة” السيسي بأنه أصبح مثالًا عالميًا للطغيان والظلم أو بأنه الأضحوكة الذي لا ينطق جملة إلا وكانت مثارًا للسخرية.

لكن بتحليل عنوان المقال والذي يعقد مقارنة بين السيسي وترامب بموضوعية نرى أنه من الجائز أن نكون قد تغافلنا في سبيل معايرة السيسي ومؤيديه عن الكثير من النقاط الهامة.

دعونا قبل استعراض هذه النقاط أن نوضح سريعًا بعض الأمور الضرورية حتى لا يكون هناك خلطًا للأوراق.

يدخل ترامب البيت الأبيض كصاحب أقل معدل قبول جماهيري بين رؤساء أمريكا في القرن الأخير وبنصف معدل قبول أوباما عند توليه المنصب منذ ثمان سنوات، فضلًا عن خسارة ترامب للاستفتاء الشعبي العام بفارق يقترب من الثلاثة ملايين صوت وجاء فوزه بسبب نظام الانتخابات الأمريكية. ترامب يمثل العنصرية البيضاء بوضوح واعتمدت حملته الانتخابية عليها في حشد تأييد قطاعات واسعة من الأمريكيين البيض. ترامب شهواني وبدا ذلك واضحًا سواءًا من التسجيل الذي سُرِب له أو مما نُشِر عنه من تصريحات أو حتى من رأيه في ابنته نفسها. سياسات ترامب الخارجية والاقتصادية قد تؤدي لحرب تجارية. ترامب يكره المسلمين، لا تدع اختصاصه التطرف الإسلامي بالعداء في خطاباته يخدعك، فهو يضع أغلب المسلمين في نفس السلة وسيكون لذلك انعكاسًا واضحًا على سياساته تجاه المسلمين سواء داخليًا مع الأمريكيين المسلمين أو خارجيًا في قضايا مثل فلسطين وبناء المستوطنات واللاجئين.

بالرغم أن الديمقراطية الأمريكية ليست مثالية بالتأكيد وبها الكثير من العيوب والكثير من الشعارات التي ترفعها تظل شعارات فقط غير مطبقة على أرض الواقع لعقود طويلة، إلا أنه لا يمكن إنكار أنها تحقق قدرًا معقولًا من الحفاظ على حقوق الشعب الأمريكي وتمنح المنظمات والأفراد فرصة اكتساب المزيد من الحقوق التي تحمي المواطنين كما أنها تجعل للمواطن الأمريكي كلمة في سياسات دولته الداخلية والخارجية.

أخيرًا يجب التفرقة بين سياسة أي دولة داخليًا وسياساتها الخارجية، حينما نصف حاكمًا ما بالاستبداد فإننا نعني ظلمه بحق شعبه واغتصابه لحقوقهم. لا يمكن لمنصف أن يغض الطرف عن جرائم أمريكا في نصف دول العالم على مدار عقود ولكن ذلك لا يعني أن نساويها بدول لا تسحق سوى مواطنيها.

الآن نعود للمقال لأعرض لكم بعض النقاط التي تجعلني لا أقبل تشبيه ترامب بالسيسي بقلب راض.

أولًا، تشبية المقال لترامب بأنه “سيسي” فيه تسطيح مخيف لجرائم السيسي. نعم يثير الاثنان سخريتنا بتصريحاتهما ولكن ذلك لا يجعلنا نساوي بينهما. لا يعقل أن نتغافل عن جرائم السيسي لمجرد السخرية منه ومعايرة مؤيديه فهذا يضرنا ولا ينفعنا. دعونا نتساءل هل لو كان السيسي يتحدث بطريقة لبقة ويمتلك كاريزما القائد الزعيم، هل كنا سنتخلى عن معارضتنا له؟

هل لو كان السيسي نجح في إصلاح الوضع الاقتصادي لمصر هل كان ذلك سينسينا جرائمه الموثقة بالصوت والصورة؟

أو هل يمكن لترامب أن يقتحم ميدانًا يضم متظاهرين ضد سياساته ليقتل ما يقارب الألفين في ساعات قليلة ثم يحاصر جامعًا التجأ إليه الفارين منهم؟ هل يحكم القضاء الأمريكي بتعلميات من ترامب على المئات من معارضيه بالإعدام في قضايا وهمية؟ هل تقصف الطائرات الأمريكية مدنًا وقرى أمريكية بالتنسيق مع أعداء أمريكا – الصين مثلا؟ هل يمكن لترامب أن يبيع جزيرتين من جزر هاواي لليابان مثلًا؟

ولماذا نتغافل عن كيف وصل كل من ترامب والسيسي لقيادة بلادهما، الأول وصل بانتخابات حقيقية نزيهة بينما وصل الثاني للرئاسة على جثث الآلاف وبقمع كل من تجرأ على معارضته.

بالتأكيد سيواصل ترامب بشكل ما سياسة أمريكا الخارجية، وستقتل الطائرات الأمريكية الآلاف من المسلمين في الشرق الأوسط ولكن السيسي سيواصل قتل “شعبه” وإرضاء مصالح الخارج. سيظل أمام معارضي ترامب الفرصة في مهاجمته بقسوة في معظم القنوات الإعلامية بدون أن يصبحوا رقمًا يضاف إلى ضحايا “الاختفاء القسري”.

ثانيًا، علينا توضيح أن كاتب المقال – كاتبته للدقة – مصرية، مما ينقل المقال بالتالي لخانة أخرى غير التي وُضِع فيها بالاكتفاء بوصفه مقالًا على النيويورك تايمز. المقال يستهدف القارئ العربي بصفة أساسية فالغالبية العظمى من الأمريكيين لا يعرفون من هو السيسي. مصر في نظر أغلبية الأمريكيين هي الحضارة الفرعونية التي يدرسونها في مدارسهم كأعظم الحضارات البشرية، وربما لم يسمع أكثرهم عن مصر الحديثة إلا وقت اندلاع ثورة يناير وبروز ميدان التحرير كرمز للثورة ضد الظلم. الإعلام الأمريكي نفسه لا يبدو متساهلًا في تشبيه ترامب بالمستبدين مثل هتلر  فهو يعرف أن ذلك ربما يقلل من أسهم ترامب على المستوى القريب لكنه على المستوى البعيد سيسهل على ترامب تمرير كل ما يريد لأن أي ما يرتكبه ترامب من أخطاء سيبدو هينًا مقارنة بجرائم النازية التي من الصعب أن يكررها ترامب بالتالي مبالغتك في التشبيه ربما تضر أكثر مما تفيد.

لا أقصد بكلامي التقليل من حجم الجرائم التي ارتكبتها وسترتكبها أمريكا في الخارج، ولا بالعنصرية في الداخل الأمريكي ولكن تشبيه ترامب بالسيسي من نفس عينة ترديد الكثيرين بأنه لا فارق بين من يصل لرئاسة أمريكا لأن كلهم مثل بعضهم وهو مبرر رائع لاستمرار ديكتاتوريات الشرق الأوسط، لماذا تريدون تداولًا للسلطة؟ حتى في أمريكا نفسها يتغير الأشخاص ولا تتبدل السياسات فلماذا لا نقصر على أنفسنا المشوار ونقبل بنفس الحكام. بالمثل فتشبيه ترامب بالسيسي يعني المساواة بين حماقة ترامب واستبداد السيسي، يعني المساواة بين جرائم ترتكبها أمريكا ضد أعداء خارجين لا يقوم الرئيس بتحديدهم وحده وبين نظام مستبد يقتل شعبه ويسرق قوته رغم قلته ويبيع أرضه كي يدفع أجور من يحمونه.

السيسي لا يمكن مقارنته إلا بمستبد سفاح مثله، بشار الأسد مثلًا، فدعونا لا نسطح قضايانا بسبب رغبة عارمة في “التحفيل” على السيسي وأنصاره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد