على مدى سنوات مضت نشتكي قدرة الإعلام على تغييب الوعي لدى عموم الشعب المصري، ونتعجب من عقليات وأداء أشخاص مثل أحمد موسى ومحمد الغيطي ومن قبلهم توفيق عكاشة وغيرهم الكثير، نتعجب كيف يصدقهم الناس ويقتنعون بكلامهم ويساقون خلفهم معصوبو الأعين.

إنه الإعلام مرة أخرى لكن هذه المرة نحن الضحايا، نعم معظم من يعد نفسه من المثقفين وأصحاب الفكر ممن يظن نفسه يستعصي على الخديعة قد سقط في شباك الإعلام.

دونالد ترامب البشع كما صوره لنا الإعلام الأمريكي، رجل خطير على مستقبل الكوكب وليس فقط على الولايات المتحدة، متهتك مزواج لا أخلاقي، يناصب المسلمين في أرجاء الأرض العداء، رجل أعمال كل ما يعنيه هو الحصول على المال وتكوين الثروة.

على الجانب الآخر هيلاري كلينتون المرشحة الأفضل والأمثل للمسلمين في أنحاء العالم، معتدلة ولا تحمل أي نوع من أنواع العداء للمسلمين في الداخل أو الخارج، سياسية محنكة ستحافظ على العلاقات مع الدول العربية، ولن تدرج جماعة الإخوان المسلمين ضمن الجماعات الإرهابية.

هذه هي الصورة التي أراد الإعلام الأمريكي أن يصدرها لنا وصدقناها وآمنا بها حتى أعددنا يوم فوز ترامب من الأيام السود في تاريخنا، أليس كذلك؟

معلوم أن التهتك الأخلاقي الذي يعاني منه ترامب ليس سبة في حق الرجل من وجهة نظر الأمريكان، بل إن بعضهم يعتقد أن ظهور الرجل بهذا المظهر هو نوع من الشفافية، وهي المشكلة التي عانى منها بيل كلينتون الرئيس الأمريكي السابق في الفضيحة الأخلاقية (مونيكا جيت)، إذ كانت مشكلة الأمريكيين مع كذبه وإنكاره للحادثة ولم تكن المشكلة أنه انحرف أخلاقيًا، إذًا فعدم إنكار ترامب لعلاقاته النسائية درب من الشفافية.

دعنا نعد بالذاكرة إلى الانتخابات الرئاسية المصرية بين الرئيس المختطف مرسي والفريق أحمد شفيق، ستجد أن المقارنة تفرض نفسها بقوة، والعجيب أن التشابه بين الموقفين سيظهر على غير ما نتوقع، إذ أن موقف الإعلام من الفريق أحمد شفيق هو الأقرب لموقفه من هيلاري كلينتون حيث المحافظة على الوضع الراهن وعدم تخريب الكوكب.

بينما موقف الإعلام من ترامب هو الأقرب لموقف الإعلام من الرئيس الشرعي محمد مرسي، فإذا استبعدنا الانحراف الأخلاقي لترامب لأن الأمريكيين لا يعتقدونه سبة في حق الرجل كما ذكرنا، فباقي الموقف الإعلامي يتطابق تماما مع موقفه من الرئيس مرسي، إذ كانوا يروجون كلامًا أشبه بما يقال اليوم أنه خطر على الكوكب.

والآن بعد أن نأخذ نفسًا عميقًا لنفكر في الأمر بتأنٍ، حيث هيلاري كلينتون امتداد لحكم أوباما، وأود أن أُذَكِّرَ هنا بفرحتنا الساذجة عندما فاز أوباما وتهليلنا أن اسمه الحقيقي باراك حسين أوباما!

ماذا فعل أوباما بالمسلمين مشارق الأرض ومغاربها، الحقيقة أن القلم يعجز وينأى بنفسه أن يذكر بمآسينا، فالكيل طافح كما لم يطفح من قبل، ولكن يكفيه أنه دعم انقلابًا عسكريًا على أول رئيس منتخب في تاريخ مصر، وتسبب في مقتل ما يزيد على ستمائة ألف نفس بريئة في سوريا والقائمة طويلة طول سواد الليل.

فعلى أي شيء نعتبر خسارة هيلاري كلينتون وفوز ترامب يومًا أسود؟ ما الذي يمكن أن يفعله ترامب أسوأ مما فعلته هيلاري كلينتون؟ ويجدر بنا هنا أن نذكر أن الوحيد من بين الساسة الأمريكيين الذي سمي الانقلاب العسكري في تركيا منذ اللحظة الأولى انقلابًا عسكريًّا هو ترامب!

نقطة أخيرة قبل الختام، أليس من المشجع أن العالم كله يخشى عواقب تولي هذا الرجل لمنصب الرئاسة؟ كل الدول المتحالفة ضدنا تعد فوز هذا الرجل يومًا أسود في تاريخ البشرية، أليس معنى هذا أن وجود ترامب قد يفض اجتماعهم علينا؟

أعجب ما في الأمر هو أننا نستمتع في مقاعد المشاهدين على الدوام، وننتظر أن ينتصر لنا غيرنا أو تمطر السماء علينا عيشًا وحرية وعدالة اجتماعية، بينما الحقيقة أن حالنا لن يتغير إلا إذا تحركنا وغيرنا شيئًا في أنفسنا أولًا ومن ثم من حولنا، وهذه هي الطريقة الوحيدة التي تضمن لنا تحقيق أهدافنا أمةً وأفرادًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ترامب
عرض التعليقات
تحميل المزيد