شكّل قرار الأهوج ترامب، الاعتراف بالقدس الشريفة عاصمة لدولة المحتل الصهيوني ثورة جديدة، لا يمكن النظر إليها من باب السياسة والشرعيّة الدوليّة، كما يروّج بعضهم، ولا يمكن أبدًا غض الطرف عن الدافع الأصيل لهذا القرار، إذ أرخينا أسماعنا لأكثر من قرن لكل التفسيرات، بدءًا من اصطلاحات الثوريين الاشتراكيين، كالإمبريالية والاستعمار والحالة الثورية، ومرورًا باصطلاحات الساسة العرب المتمثلة بالالتزام بالشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وحطًا للرحال في أتون تصريحات المدرسة البراغماتية الانبطاحية، وأثناء تنقلنا هذا بين أهزوجة ردح وأخرى، فإن الأمريكيين لم يغيروا شيئًا في معتقدهم حول أهمية القدس الشريف لدولة المحتل الغاصب، والمشروع الغربي الاستعماري الاستئصالي من خلفها.

وبما أنّنا في حالة ذل لم يسبق لها مثيل تاريخيًّا، كما يقول المنصفون من أهل التاريخ، فإن الناشط السياسي أو الناشط بشكل عام هو الذي يظهر رقعة وجهه بصورة دوريّة على الشاشات ليحلل اللحظة الراهنة، مع كم من المغالطات التاريخيّة والفكريّة، فالحديث جملة يدور عن الفعل ورد الفعل والغوص في أرقام ردّ الفعل، وهذا يعني بالضرورة الارتهان للواقع وفصله عن الماضي بأبعاده وأمجاده، ويعني أيضًا غموض المستقبل، إذ لا يمكن أن نصل إلى مستقبل مبني على ردود الفعل دون منهج كامل متكامل وصحيح.

نعود الآن إلى قرار الأهوج ترامب، إذ يعد من الناحية الفعلية مرحلة في مشروع الحرب الدينية المشتعلة منذ أن وطئت قدم أول مستعمر بلاد الشرق، إذ لا فائدة مرجوّة سياسيًّا من قراره، ولا يمكن أبدًا الحديث عن السياسة في مثل هذا الظرف، حتى وإن بدا الغلاف سياسيًّا محضًا؛ فالصهاينة كما يقول المرحوم عبد الوهاب المسيري عبارة عن جماعة وظيفية، أي كيان ذو وظيفة وغاية أنشئ من أجلها، وهذه الغاية ليست غاية سياسيّة كما يظن بعضهم بل هي دينيّة صارخة، حيث يتقاطع الصهاينة مع البروتستانت في الإيمان بضرورة قدوم المسيح المخلّص للطائفتين، كلّ حسب فهمه وتفسيراته، وهناك مقدمات وخطوات لا بدّ منها لقدوم مسيحهم المخلّص، بدءًا من احتلال فلسطين وإنشاء كيان الصهاينة الغاصب، ومن ثمّ احتلال القدس وتوحيدها وبعدها إعلانها عاصمة لكيان المحتل، وهذا يعني التصرف المطلق كما يسمح بذلك القانون الدولي، وبعد هذا الاعتراف سيأتي آخر تصرف لإتمام خطوات استقدام مسيحهم المخلّص، وهذا التصرف ليس إلّا هدم المسجد الأقصى أو جزء منه لإقامة المعبد أو الهيكل، وعندها سيأتي مسيحهم ويقيم كيانه ودولته، هذا باقتضاب ما يعتقدونه، وهو مبثوث في كتبهم ومحاضراتهم المكتوبة والمسموعة والمرئية، لكنّا أمّة لا تقرأ ولا تبحث عن الدوافع والأسباب، ونمعن في التنكر لتاريخنا كأنه وصمة عار لا نيشان مجد.

لقد دأب كثير من الكتّاب والنقاد في نزع الصبغة الدينية عن الحرب المستعرة، وقالوا ما لا يمكن حصره ولا حتى الوقوف عليه، حتى في انتفاضة القدس الشريف المشتعلة الآن يمعن الساسة في التصريحات والتحذيرات، بأنّ المتطرفين والمتدينين المتشددين هم المستفيد الوحيد من مثل هذا القرار. وكأنّهم يتقاطعون مع المحتل والغرب في إعادة القضية إلى إطارها الصحيح والقويم ألا وهو الإسلام، نعم الإسلام بعيدًا عن معتقدك الشخصي الذي يربط الإسلام بالأحزاب والجماعات، فهم يقاتلوننا بالعهد القديم والجديد ويضيفون التلمود وفتاوى الحاخامات، ونحن نقاتلهم بالشرعية الدولية والسلمية الغاضبة والهتافات وحرق الصور والأعلام.

المستوطن يأخذ أرضي وأرضك باسم الرب ووعده في سفر التكوين، وأنت تقول إنه يمارس الاستعمار والأبرتهايد، يطلق اسما توراتيًا على أرضك وأرضي وأنت تقول يتغوّل، أبحث عن التغوّل والاستعمار والأبرتهايد فلا أجدها لا في قرآن ولا سنة ولا تاريخ الأمّة. أصغي بسمعي إلى الحاخامات فإذا الفتاوى من التوراة والتلمود وكتب سلفهم في المنافي كما يقولون، فلا أدري كيف يعتزّون بباطلهم ويتضايق ساستنا ويشمئزون من حقنا الأبلج؟ يتحججون بالطوائف والأديان الأخرى، ولا يريدون جرح مشاعر أتباعها في حين عدى البروتستانت على مسيحيي الشرق فجعلوهم أحزابًا وأممًا، وحولوهم من أرثذوكس إلى ألف ملة ونحلة، ويظنّ بعضهم تعاطف الناطوري كارتا معنا قضية سياسية، وفي الأصل موقفهم عقدي ديني يهودي بحت على مذهب مخالف للصهيونية الاستعمارية، إذ يرون الكيان الغاصب قد أقيم في غير موعده خدمة للاستعمار الغربي التوسعي.

فما العمل إذن؟ يكمن العمل في فهم جديد عميق للقضية، بعيدًا عن جعجعات القومية وهرطقات الثورية، يقتضي بأن تقف سورة الإسراء القطعية الثبوت والدلالة في وجه التوراة، التي كتبت بعد موت موسى -عليه الصلاة والسلام- بستة قرون، وأن نعيد صياغة أسّ الصراع بعد أن جربنا كل خلطات الوضعيين، من ثورية وشرعية دولية ومجتمع دولي وقرارات مجلس الأمن، ونقول بملء فينا إنّ ما يجمعنا في مشارق الأرض ومغاربها حول القدس وقضيتها، هو الإسلام لا القومية، والعقيدة الإسلامية لا التحالفات السياسية، والشعور بالانتماء إلى أمة واحدة موحدة لا التعاطف التملقي، فإنّ الحكام تبع للشعوب الحرة، والمنظرون ثبت خذلانهم لأفكارهم قبل غيرهم، والجيوش إنما أعدت لقمعنا لا تحريرنا.

فمتى اعترفنا بطبيعة الصراع وحقيقته الصرفة، وهي أنّه صراع ديني منذ الحروب الصليبية الغاشمة وحتى الاحتلال الصهيوني العنصري، حينئذ حدثني عن التحرير، حدثني عن تراجع العالم كله عن قرارته الغاشمة، وإلّا كما قال الشهيد المقادمة فإنّنا سننتقل من رد فعل إلى آخر، واللّه غالب على أمره ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد