ضرب ترامب بكل المنظمات الدولية والقرارات الأممية وحتى الجمعيات الحقوقية عرض الحائط، لقد رمى بكل من كان معه من قادة وقيادات مؤيدي (صفقة القرن) في البحر، اكتشفوا متأخرين أن المشروع المزعوم ماهو إلا كذبة، حتى تقوم الأنظمة بإزاحة المناضلين الصادقين والعلماء الربانيين والمثقفين الحقيقين عن المشهد ليس لشرق أوسط جديد، بل لتهويد القدس وجعلها عاصمة لإسرائيل، لقد وضع ترامب العربة أمام الحصان وبدأ بالأصعب حتى يفاوض على الأسهل، اتبع سياسة خلط الأوراق وعدم المعرفة بالأسباب ليقوم بهذا الفعل وفي هذا الوقت بالتحديد، والذي يرى فيه انشغالا وعدم اتزان من قبل الدول العربية.

لا نقول إنهم كانوا على علم بتلك الخطوة بالذات، وذلك ليس لشيء، إلا أن ترامب لا يعول عليهم، ولا يعتبرهم ذوي أهمية ليخبرهم أو حتى يستشيرهم، لقد تلاعب بهم ضحك عليهم وأضحك عليهم، جعل منهم وباسم هذا المشروع والذي سال لعاب بعضهم عليه لما فيه من فرص استثمارية، وفائدة مادية، أداة وألعوبة في يده، يتلاعب بهم كيفما شاء، لقد أشعل الخلافات في المنطقة، وحرض عليها لتخلو له الساحة، وتكون له المساحة ليستغل الفرصة، بعد تغييب أشراف الأمة وعقلائها والنخب فيها، شغل الأمة في أمور غير مهمة، وأدخلهم في مماحكات جانبية غير ذات أهمية.

لم يكن ليفصح لهم بصريح العبارة أنه يريد القدس، أولا يعرف أن هؤلاء القادة على سوئهم سيترددون لوهلة أن يتعاونوا معه، وإن قاموا فسيقومون متثاقلين، ولن ينجزوا المهمات الموكلة لهم بالشكل الصحيح، فأوعز لهم أن كل ما هنالك ما هو سوى مصالحة فلسطينية إسرائيلية لحل الدولتين، والتطبيع مع إسرائيل، وبدلًا عن أن يكون من تحت الطاولة، يكون فوقها، حتى يتسنى لكم التعاون معها تحت مسمى هذا المشروع المشؤوم، الذي سوف يكون مفيدًا اقتصاديًا وأمنيًا، وينهي الصراع في الشرق الأوسط، وتعيشون في سبات، وتتلذذون بالملذات، ولتنعموا بمناصبكم الكبيرة، وترتاحوا على كراسيكم الوفيرة، وتتخلصوا من هذا الهم الذي كان يؤرقكم ويشغلكم منذ قرن فات، ولسوف تكتب أسماؤكم بماء الذهب، بأنكم فعلتوا ما عجزوا عن فعله من سبقكم، وكان في الحكم قبلكم.

كيف استطاع أن يوهمهم هذا الإيهام؟ هل هم بهذه السذاجة ليصدقوه!

وليتهم لا يعرفونه أو غشوا فيه، بل يعرفونه حق المعرفة أكثر من غيرهم، فلقد كانت قنواتهم وتصاريح مسؤوليهم حتى قبل أن تعرض نتائج فوزه بلحظات تكيل له الاتهامات وتشن عليه الحملات، وبعد أن فاز انقلبت الاتجاهات رأسا على عقب من شتم وتشكيك إلى مدح وكلام مريح، ما هذا النفاق!

في السابق العرب كانوا يصفون وبصورة بلاغية موغلة بالمبالغة بمقولة: بين ليلة وضحاها، أما وأن دخلنا عالم التكنولوجيا السريعة فقد أصبحت بين الثانية والدقيقة تتغير المواقف، ولكن كان رد ترامب عليهم ردًا لم يتوقعوه، ولا في هذا الوقت بالذات يتمنونه، وكأنه يقول لهم: ما رأيكم بهذا الجنون الذي كنتم تنعتونني به؟

ترامب لا يؤمن بمقولة (Step by Step) يريد أن يحرق المراحل ويجتاز الخطوات بخطوة، هو يعلم ماذا يريد جيدًا: إشعال وشغل المنطقة، وتسريع المواجهة، وكل من يعترض فهو إرهابي، لقد فضح وتبجح هو وإسرائيل، أدخلهم إلى القفص وأغلق عليهم، لم يعد لهم مخرج لا أمام أبناء جلدتهم ولا أمتهم ولا علمائهم، لم يبق لهم سوى ذبابهم الإلكتروني وبعض مثقفيهم، عفوًا أقصد منافقيهم، ممن يستعملونهم ليروجوا لبضاعتهم الكاسدة للتطبيع مع العدو الصهيوني، متواجدون في أغلب المنصات الإلكترونية؛ ووسائل التواصل الاجتماعية يعملون على قدم وساق ليخلقوا الجو الملائم لهذا التطبيع، حتى يسري مشروعهم، ولكنه أصابهم بقراره هذا في مقتل، وإنهاء كل ما عملوا عليه وسعوا إليه، فبدلًا عن أن تكون صفقة القرن أصبحت بقدرة قادر صفعة القرن يقول تعالى: إن الله لا يصلح عمل المفسدين.

المرحلة القادمة مرحلة كسر القيود لإعطاء الشعوب حريتها، فهيا من لديها الحلول آن الأوان لها أن تصرخ صرختها، وتجمع شتاتها بالفعل والفاعل الحاضر منه والمضارع، لتبدي الجماهير غضبتها وتخرج ما في جعبتها وتشد من همتها وترفع هامتها وتعلو كلمتها، كلنا اليوم موكلون غير معذورين، والحجة تقع على كل منا بلا استثناء، لا نحتاج إلى كلمات رياء أو أحاديث المساء التي لا تخلو من الاستجداء، انتهى وقت التنازلات والبكائيات، ومن يفعل غير ذلك، فنحن منه إلى يوم الدين براء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد