تزامن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوصف القدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة بلاده إليها مع الذكرى المئوية لسيطرة القوات البريطانية بقيادة الجنرال إدموند اللنبي على القدس في ديسمبر (كانون الأول) 1917، وإنهاء الحكم العثماني لفلسطين الذي استمر قرابة الأربعة قرون، يأتي هذا القرار الأمريكي الأخير متصلًا وليس منفصلًا عن سلسلة أحداث ومعارك عسكرية وسياسية دارت في فلسطين وحولها منذ عام 1917، كانت القدس هي محورها ومحطةً لتحولات الكبرى في المنطقة والعالم.

القدس بداية القرن

مع بداية الحرب العالمية الأولى 1914- 1918، أعلن السلطان العثماني محمد رشاد الخامس انضمام الدولة العثمانية إلى جانب ألمانيا ضد الإنجليز وحلفائهم، كان لهذه الحرب تأثيرات وتداعيات المباشرة على فلسطين عامة ومدينة القدس خاصة.

بعد تسرب أخبار تحضيرات بريطانيا العظمى لاحتلال فلسطين وفي 15 يناير (كانون الثاني) 1915 شنت القوات العثمانية منطلقة من جنوب فلسطين هجومًا بريًّا على قناة السويس، واستطاعت بعد اجتياز صحراء سيناء الوصول إلى القناة، ومهاجمة القوات البريطانية المتمركزة على طولها، وتمكنت مقدمة القوات العثمانية عبور القناة في 2 فبراير (شباط) 1915 باستخدام معدات ألمانية، إلا أن القوات البريطانية استطاعت صد الهجوم العثماني.

تنبهت قيادة القوات البريطانية في القاهرة بعد هذا الهجوم لأهمية بناء خطوط دفاع متقدمة في شبه جزيرة سيناء؛ للدفاع عن قناة السويس ولفتح الطريق إلى فلسطين؛ فقامت بمد الطرق وخطوط سكك الحديد وأنابيب الماء في صحراء سيناء.

الطريق إلى القدس تبدأ بغزة

بعد أن أنجزت القوات البريطانية بناء خطوط الإمداد والدفاع في سيناء هاجمت مدينة العريش، وسيطرت عليها في 21 ديسمبر 1916، وتقدمت نحو رفح في 9 يناير 1917 بقيادة الجنرال «تشارلز دوبل»، وبذلك أخليت شبه جزيرة سيناء تمامًا من أي وجود عثماني، أدرك طرفا الحرب أهمية السيطرة على غزة للوصول إلى القدس، بينما كانت القوات البريطانية تحكم السيطرة على شبه جزيرة سيناء تمهيدًا لاحتلال غزة، شرعت القوات العثمانية في جنوب فلسطين ببناء خط دفاعي حصين من غزة إلى بئر السبع جاوز طوله 48 كيلومترًا.

  • معركة غزة الأولى 26 مارس (آذار) 1917: توجهت القوات البريطانية من سيناء لاحتلال غزة ودفعت بأكثر من 22 ألف جندي لاحتلال المدينة، لكنها فشلت ومنيت بهزيمة مدوية قتل وأصيب فيها مئات الجنود البريطانيين، وعلى أثر هذه المعركة قرر قائد الهجوم البريطاني الجنرال تشارلز دوبل وقف الهجوم والتراجع.
  • معركة غزة الثانية 19 أبريل (نيسان) 1917: في أعقاب معركة غزة الأولى قرر قائد القوات البريطانية في مصر الجنرال «أرشيبالد موراي» تكرار الهجوم على غزة بتحضيرات أقوى، شرعت القوات البريطانية في قصف مدفعي وجوي عنيف على نقاط تحصن الحامية العثمانية جنوبي غزة وعلى تلة المنطار شرقيها مستخدمة لأول مرة الغازات السامة وقنابل الدخان، كانت المواقع الدفاعية العثمانية قادرة بشكل كبير على دعم بعضها بالنيران، وعمل سد ناري في الفواصل التي بينها واستطاعت صد الهجوم مرة ثانية مخلفةً خسائر ضخمة في القوات المهاجمة، على أثر هذه الهزيمة تم التراجع للمرة الثانية وإقالة الجنرال «أرشيبالد موراي» الذي قاد حملة سيناء وفلسطين منذ يناير 1916، وتعيين الجنرال إدموند اللنبي بدلًا عنه.
  • معركة غزة الثالثة 31 أكتوبر (تشرين الأول) 1917 :استخلصت القوات البريطانية العبر من المعركة الأولى والثانية، وقسمت خطة هجومها على مراحل، بدأت بهجوم بري واسع على بئر السبع في 30 أكتوبر 1917، اعتقدت القوات العثمانية أن الهجوم على بئر السبع استطلاعي ومخادع، وأن الهدف من الهجوم هي غزة التي بدأ قصفها برًا وبحرًا وجوًا من 27 أكتوبر، لقد كان إحكام السيطرة من قبل القوات البريطانية على بئر السبع تسهيلًا لخطة الالتفاف على غزة والوصول إلى تلة المنطار شرقها، وبالتالي السيطرة عليها، نتج من معارك غزة الثلاثة تدمير أكثر من ثلثي البلدة القديمة، وانسحاب الحامية العثمانية من خط الدفاع بعد تكبد الطرفين خسائر بشرية ومادية ضخمة.

وعد بلفور (2 نوفمبر 1917)

أطلق وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور وعده الشهير في الثاني من تشرين الثاني سنة 1917، بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين بعد يومين من إسقاط خط الدفاع العثماني جنوب فلسطين والسيطرة على بئر السبع وغزة وفتح الطريق أمام الجنرال اللنبي للوصول إلى القدس لتحقيق رغبة رئيس الحكومة البريطانية لويد جورج في السيطرة على المدينة المقدسة لتكون هدية أعياد الميلاد لشعب البريطاني.

الجنرال اللنبي يكتب السطر الأول في صفحة القرن

استغل الجنرال اللنبي حالة التشتت في القوات العثمانية بعد السيطرة على غزة وبئر السبع، وتقدم عبر الطريق الساحلي شمالًا إلى يافا واحتلها في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 1917 توجهت بعدها القوات البريطانية إلى القدس الهدف الرئيس من المعركة، والتي سميت باسمها «Battle of Jerusalem»، دارت معارك شرسة في «نهر العوجا» و«النبي صموئيل» وجبال «المغار»، انتهت بوصول طلائع القوات البريطانية لمدينة القدس.

دخل قائد القوات البريطانية الجنرال إدموند اللنبي مدينة القدس في 11 ديسمبر 1917، مما أثار مشاعر الابتهاج في بريطانيا وأوروبا عامة، واحتفلت الصحف البريطانية والغربية بهذه المناسبة واعتبرتها حدثًا تاريخيًا مفصليًا، ووصفته بأنه سيطرة مسيحية على القدس لأول مرة منذ أكتوبر 1187م.

كان احتلال القدس في ديسمبر 1917 أول صفحة من صفحات صراع جديد، وإيذانًا ببدء مرحلة جديدة كان لها ما بعدها من تحولات وأحداث هائلة مرت على فلسطين والمنطقة، إذ فتحت سلطات الاحتلال البريطاني الباب للاستيطان اليهودي في فلسطين الذي تبعه نكبة عام 1948 واحتلال الجزء الغربي من القدس، ثم احتلال مدينة القدس بالكامل من قبل الجيش الإسرائيلي على أثر نكسة عام 1967، والشروع في عمليات تهويد واسعة للمدينة، وصولًا إلى اعتراف الإدارة الأمريكية ممثلة برئيسها في ديسمبر 2017 بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبذلك يسدل ترامب الستار على آخر صفحة من صفحات قرن من الزمان مر على القدس، وهي محتلة وجراحها ملتهبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد