الحدث

عقب انتهاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من إلقاء خطابه السنوي عن «حالة الاتحاد»، مساء الثلاثاء، أقدمت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي في خطوة غير بروتوكولية وغير معتادة في الساحة السياسية الأمريكية على تمزيق مجموعة من الأوراق بدت وكأنها نسخة من الخطاب؛ ما يُظهر إلى حدّ كبير غياب التوافق بينهما، بل يدل على مدى تعقيد الأمر بينهم.

الضمير السياسي

تُعد بيلوسي المرأة الأرفع منصبًا عن طريق الانتخاب في تاريخ الولايات المتحدة، بصفتها رئيسةً لمجلس النواب، تأتي في المرتبة الثانية في خط الخلافة الرئاسية مباشرة بعد نائب الرئيس، كانت بيلوسي من المعارضين البارزين لحرب العراق، وأيضًا لمحاولة إدارة بوش عام 2005 خصخصةَ الضمان الاجتماعي جزئيًا خلال فترة رئاستها الأولى، لعبت دورًا فعالًا في إصدار العديد من مشاريع القوانين الهامة، بما في ذلك قانون الرعاية الصحية الأمريكية، وقانون «دود – فرانك» لإصلاح وول ستريت وحماية المستهلك، وقانون إبطال «لا تسأل ولا تقل»، وقانون الانتعاش وإعادة الاستثمار الأمريكي لعام 2009، وقانون الإعفاء الضريبي لعام 2010. فموقفها الآن من ترامب نابع من ضمير سياسي غير راض عن إدارة وتصرفات ترامب في الداخل والخارج، ونابع من منافسة حقيقية بين الديمقراطيين والجمهوريين.

المكر السياسي

يجيد ترامب المكر السياسي، وهذه صفة غالبة على أغلب أعضاء الحزب الجمهوري، وأيضًا يجيد لغة الأرقام والاقتصاد، وهذا نابع من ممارسته كرجل أعمال كبير، وكانت أمريكا وسياستها في هذه الفترة، تريد مثل هذه الشخصية، القادرة على جنى الأموال من الشرق وخصوصًا العرب، الذين يمتلكون الثروة والمال، وحتى تعوض تدخلها في الشرق بدون مقابل كبير، فخلقت الفوضى والإرهاب، حتى يكونوا أدوات ضغط على أنظمة الشرق العربي التي تمتلك الثروة والمال، فيأتي سياسي مثل شخصية ترامب لا يعرف غير لغة جمع المال والأرقام، فلذلك كان وصوله لحكم أمريكا في هذه الفترة أمر واقعي، بل سيحكم فترة ثانية، وذلك هو مكر السياسة الأمريكية وإجادتها أي نوع من السياسة تستخدم، وأي رجل يكون مناسبًا لهذه السياسة ووفقًا لظروف والمعطيات الدولية، ووفقًا لما قدمته وما فعلته حتى تجنى أضعافه؛ فقد نجح ترامب ونجحت السياسة الأمريكية بعد صناعة فوضى الشرق في عهد أوباما إلى جني أرباح هائلة من ذلك على يد ترامب.

التحليل السياسي للموقف

– اضطرت ناسي بيلوسي لتمزيق الخطاب لترد على تجاهل ترامب لمصافحتها، وذلك ردًا لاعتبارها ولأهمية منصبها، فرأت بهذا الشكل أنها تتجاهله كما تجاهلها، لتمزق خطابه وتهينه أمام الكاميرات.

– موقف بيلوسي الآن من ترامب نابع من ضمير سياسي غير راض عن إدارة وتصرفات ترامب في الداخل والخارج.

– نابع من منافسة حقيقية بين الديمقراطيين والجمهوريين، وخصوصًا بعد ازدياد شعبية ترامب وتحقيقه للاقتصاد الأمريكي، بل للسيطرة الأمريكية على الشرق ما لم يفعله من قبله أي رئيس، فلذلك زاد الأمر تعقيدًا على الديمقراطيين، لذلك قدموا مذكرة على ترامب باستغلال منصبه وهم واثقون بأن ترامب ستتم تبرئته من خلال مجلس الشيوخ المسيطر عليه الجمهوريين، فأردوا بذلك الضرب في سمعة ترامب ووقف امتداد شعبيته أكثر من ذلك.

– تجاهل ترامب لشخصية مثل بيلوسي وأهمية منصبها في الولايات المتحدة الأمريكية، تدل على ثقة ترامب في براءته أمام مجلس الشيوخ، فيتعامل بمنطق القوي والمتعالي، وهذا ما نراه في الأيام القادمة، حين ستتم تبرئة ترامب.

– ترامب بالفعل لعب على عواطف الشعب الأمريكي بخطابه الأخير، بل لمس القضايا الإنسانية، بل زاد بالأرقام الاقتصادية مدى ما حققه الاقتصاد الأمريكي في عهده، ومدى نجاح ترامب في زيادة موارد الخزينة الأمريكي من أموال الخليج وغيرها، فكسب ولاء اللوب الصهيوني والشارع الأمريكي، بالأرقام وبالخطاب والأفعال.

– خطاب ترامب الأخير يجب أن يدرس لكل سياسي لكي يتعلم طريقة التأثير على الجماهير، وكيف يقلب الطاولة بدهاء وسياسة الصهاينة، بالفعل قلب الطاولة على الديمقراطيين، بعد تهديدهم وضغطهم عليه بالعزل، فيدرس لأهل السياسة والعوة والتسويق ليعرفوا كيف تكون الخطابات ومدى تأثيرها، واختيار الكلمات ولغة الأرقام.

– ترامب ضمن مكانًا مهمًا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة وفي حزبه الجمهوري، وبنسبة كبيرة سيكون هو الرئيس القادم لأمريكا والفائز بولاية ثانية للرئاسة.

– سينال ترامب تدعيم كبير من اللوب الصهيوني والدعم العربي، لكي يضمن اللوبي تنفيذ ما وعد به ترامب إسرائيل، وهذه الوعود تاريخية وإنجازات عظمى للدولة الصهيونية بداية من الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان، ثم القدس عاصمة لهم، ثم صفقة القرن، وهذا لم يفعله رئيس أمريكي من قبل، ولم تنل إسرائيل مثل هذا من قبل، فسيصبح دعمه كبيرًا، وكذلك العرب لضمان أمانهم وبقائهم على مناصبهم، فلذلك ستضخ أموالًا هائلة ودعمًا إعلاميًا كبيرًا لحملته.

ماذا نتعلم من الدرس السياسي

– إن الدول تسير وفق خطط وأهداف إستراتيجية ومحددة، لأي يهمه الضمير السياسي إذا تعارض مع مصالحها وأهدافها الكبرى، فقط الضمير السياسي تستخدمه لتجميل سياستها، ولكن الواقع يكون بطريقة مختلفة وبأشخاص مختلفين، فدومًا الدول العظمى تحتاج لتلك المشاهد، بالرغم من تناقضهم، فتحتاج الضمير من أجل التجميل وتحتاج للقوة من أجل التنفيذ وفرض السيادة وسياستها وكلمته على الدول لتبقي دولًا عظمي.

– السياسة ليس بها عواطف السياسة بها مصالح، فالكل سيعبر عليك وعلى جسدك؛ إذ لم تع وتفهم كيف تلعب وتناور سياسيًا، فعلى الشعوب الإسلامية أن تعي، لا أحد غربي بضميره يستطيع تحريرهم من هذا القهر والضعف، هم الوحيدون القادرون على التخلص من هذا الضعف والقهر لا أحدًا آخر، فلا تنتظر أن يأتي أحد ويحل مشاكلك بعد أن يرق قلبه لمآسيك، فهذا لن يحدث إطلاقًا، إلا إذا تحركت الشعوب وعرفت ما لها وما عليها وأين يكون ضعفها، ومن يحكمها.

– هذه الدول لا تولي الأغبياء والطامعين في السلطة، هذه الدول تختار بعناية من يحكمها، ولا تخاف لأنها دول مؤسسات، وليست دول تنظيمات أو أفراد، فتختار من يخدم مصالحهم العليا، لا الذي يخدم تنظيمه ونفسه وعائلته ويسرق الوطن باسم الوطنية والكلمات المزيفة، فهم يؤمنون بأرض الواقع لا بالكلام المسترسل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد