أصبح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أولَ رئيسٍ للولايات المتحدة تتم محاكمته مرتين خلال فترة توليه الرئاسة. حيث مرر مجلس النواب الأمريكي قانون العزل بأغلبية 232 صوتًا مؤيدًا للعزل مقابل 191 صوتًا رافضًا له. وقد شكّل انضمام 10 نواب جمهوريون إلى الجانب المؤيد للعزل، سابقة تاريخية في تاريخ الولايات المتحدة. إذ يُعتبر هذا العدد هوالأكبر خلال عمليات العزل الثلاثة التي شهدتها الولايات المتحدة. كما تعتبر هذه الأصوات الجمهورية خرقًا مهمًا لحالة التموضع الحزبي التي عاشتها الديمقراطية الأمريكية على مدار أربع سنوات مضت.

يحتاج الديمقراطيون إلى أغلبية الثلثيين في مجلس الشيوخ لتمرير قانون عزل الرئيس، أي بواقع 67 صوتًا مؤيدًا. وإنْ كانت هذه المهمة قد تبدو مستحيلة للوهلة الأولى، إلّا أنّ هناك إشارات إيجابية لتمرير القانون في مجلس الشيوخ. تتمثل هذه الإشارات الإيجابية برفض ميتش ماكونيل زعيم الأغلبية الجمهورية الحالية في مجلس الشيوخ، دعوة المجلس للانعقاد قبل التاسع عشر من يناير (كانون الثاني) للنظر في قضية العزل، بحجة أنّه من غير الممكن إجراء محاكمة عادلة، أو جادة خلال الأيام المتبقية من فترة الرئيس دونالد ترامب، وقبل تنصيب جو بايدن في العشرين من يناير. وهذا الرفض يعني بأنّ المحاكمة تمّ تأجيلها إلى ما بعد تنصيب الرئيس المنتخب، وتولي الديمقراطيين رئاسة مجلس الشيوخ بعد حصولهم على مقعدي جورجيا، والذي آمنّ لهم الأغلبية البسيطة في مجلس الشيوخ. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على تأمين الديمقراطيين الأغلبية البسيطة 50+ صوت نائبة الرئيس «كامالا هاريس» في مجلس الشيوخ، وهم بالتالي في حاجة إلى 16 صوتًا من جانب الجمهوريين.

التقاء مصالح

لقد دخل الجمهوريون في تحالف مصالحي مؤقت مع ترامب على مدى أربع سنوات، انطلاقًا من فهمهم للواقعية السياسية المرحلية التي مرّت بها الولايات المتحدة، والتي كانت تتطلب ظهور رئيس أبيض ذي خطاب مغاير يخرج من قلب الحزب الجمهوري. فوقفوا سدًا منيعًا أمام الاتهامات التي وجهت ضده في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية. كما أيدوه في العديد من القضايا الداخلية والسياسة الخارجية، كطريقة التعامل مع جائحة كورونا وتمرير قانون تمويل الجدار العازل بين الولايات المتحدة، والمكسيك، وتقديم القدس والجولان على طبق من ذهب للإسرائيليين، والعديد من القضايا الأخرى.

وفي مقابل ذلك عزز ترامب من قبضة المحافظين في المحكمة الأمريكية العليا بتعيينه القاضية المحافظة آمي كوني باريت، ودعم الحزب في الانتخابات النصفية لعام 2018؛ مما ساهم باحتفاظ الجمهوريين بالأغلبية في مجلس الشيوخ آنذاك. إلا أن هذا التحالف المصالحي ما لبث أن تحوّل إلى عبء يثقل كاهل الحزب الجمهوري. وذلك لأن الرئيس ومن خلال ادعاءاته الواهية حول سرقة الانتخابات، وبأنّ الانتخابات كانت مزوّرة وعلى نطاق واسع، ساهم بشكل أو بآخر بخسارة مقعدي جورجيا (التي تعتبر تاريخيًا وتقليديًا ولايةً جمهورية) في مجلس الشيوخ لصالح الديمقراطيين. ناهيك عن انتهاك الرئيس لقواعد اللعبة السياسية في الولايات المتحدة وتحريضه على الهجوم الغوغائي ضد مجلس النواب أثناء التصديق على فوز جو بايدن كرئيس مقبل للولايات المتحدة.

صرّح ميتش ماكونيل مرة أخرى في تسريبات نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، بأنه يوافق على مضي الديمقراطيين قُدمًا في إجراءات عزل الرئيس، وذلك لأن هذا العزل سيسهل من عملية طرد ترامب من الحزب وإلى الأبد. يبدو بأنّ تصريحات ماكونيل هذه، تنبع من فهم المرحلة الحرجة التي يمر بها الحزب الجمهوري. هذه المرحلة التي تعتبر منعطفًا تاريخيًا لمستقبل الحزب الجمهوري، بين عودته إلى حزب يدعو إلى القيم المحافظة، وبين تحوله إلى حزب عنصريٍ معادٍ للديمقراطية تحت قيادة «الترامبية السياسية».

إنّ عزل الرئيس أصبح مصلحة مشتركة لكل من الحزب الديمقراطي والجمهوري، وذلك لأن الحزبين لا يتطلعان إلى إنهاء أيام معدودة للرئيس ترامب، ولا يتطلعان كذلك إلى سجنه، بل يتطلعان اليوم إلى تفعيل المادة الأولى، الفقرة الثالثة، البند السابع من الدستور الأمريكي، والتي تنص على أنّ لمجلس الشيوخ التصويت على منع ترشّح الرئيس، الذي تمّ عزله بأغلبية الثلثيين في مجلس الشيوخ، لأي منصب في الدولة في المستقبل، ولا يحتاج هذا المجلس، إلّا لأغلبية بسيطة لتمرير هذا القانون. فمصلحة الحزب الديمقراطي هي معاقبة ترامب على أربع سنوات من المهاترات، والانقسام، والاستقطاب، ومنعه من الترشح لانتخابات 2024، ومصلحة الحزب الجمهوري تتمثل في الخروج من عباءة ترامب، وعودة الحزب إلى قواعده المحافظة، والتمهيد لظهور قيادات جمهورية تقليدية تحتاج لدعم الحزب لخوض انتخابات 2024. وهذا ما يمكن التدليل عليه في موقف زعيم الأغلبية ميتش ماكونيل بين محاولات العزل الأولى، والتي تحرك فيها وبصرامة لرصّ صفوف الجمهوريين للتصويت بـ«لا» ضد قرار العزل في بدايات 2020، بينما يكاتب أعضاء حزبه بأنّه لا يستعبد أن يصوّت بـ«نعم» لإجراءات العزل الثانية، وهو ما يشكل ضوءًا أخضر لباقي صقور الجمهوريين للموافقة على عزل الرئيس.

كيف ستؤثر تركة ترامب المسمومة على ولاية بايدن؟

ينظر بايدن إلى إجراءات العزل بتحفظٍ حذرٍ للغاية، وذلك لأن بايدن يتطلع إلى 100 يوم مليئة بالإنجازات. ومحاكمة الرئيس قد تؤثر على جهوده في تمرير تعيينات المناصب العليا للبلاد، كوزارة الخارجية، والأمن الداخلي، والخزانة، ووكالة الاستخبارات المركزية، وغيرها من التعيينات. ناهيك عن حاجته لتوحيد الحزبين في مواجهة جائحة كورونا التي أضرت بالاقتصاد، وارتفاع في نسب البطالة، وفقدان الوظائف.

لقد ترك ترامب بالفعل تركةً مسمومةً لبايدن، وتنقسم هذه التركة إلى تحديات داخلية خطيرة، كإعادة إحياء الاقتصاد، ومواجهة جائحة فتكت بالولايات المتحدة، ومجتمع منقسم على ذاته، مُشكك بالمؤسسات والديمقراطية الأمريكية؛ وتحديات خارجية أخطر كملف إيران النووي (والذي انسحب منه ترامب، ويستمر بفرض عقوبات عليها حتى في أيامه الأخيرة)، وإعادة تحسين صورة الولايات المتحدة بعد أربعة أعوام على ممارسة الابتزاز السياسي، والطعن في الحلفاء التقليديين، والانسحاب من الاتفاقيات الدولية، وممارسة البلطجة السياسية.

فهل يستطيع بايدن الخروج من هذا النفق المظلم؟ الأيام وحدها كفيلة بالرّد على هذا السؤال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد