في ضوء التصرفات المربكة والمنظمة التي يتصرفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يصعبُ على المحللين السياسيين التنبؤ بأفعاله، وقراءة تصريحاته بشكل صحيح، فيلاحظ أنه ما وعد بشئ، لم يرى فيه كثيرون الصواب إلا وأوفى به، وما صرح بتصريح مُستغرب إلا وكان له هدف من ورائه، حتى تسبب في توصيفه بالأحمق المتهور الذي لا يفقه في السياسة، ولكن إذا ما نُظر إلى النتائج الكلية للتصرفات والأفعال الترامبية -أي أفعال الرئيس ترامب- فنراها أكسبت الاقتصاد الأمريكي الكثير من الغُنم والمنافع الاقتصادية، وهذا ما يحبذه ويصبو إليه بعض مراكز الضغط، وصانعي القرار في أمريكا، وعلى رأسهم قيادة البنتاجون.

وفي ظل زخم التطورات الجارية في الساحة العالمية، ستحتضن العاصمة الفنلندية هلسنكي في السادس عشر من الشهر الجاري، قمة فريدة من نوعها بين الزعيمين الروسي والأمريكي، وحسب مراقبين، فإن هذه القمة معنية برسم ملامح ومستقبل الملفات والأزمات الدولية العالقة بين القوتين العظميين.

وبعد تأكيد نبأ لقاء بوتين– ترامب، فُتح الباب على مصرعيه للنقاش حول الملفات التي من المتوقع أن يتناولها الزعيمان، إذ خمن بعض القُراء السياسيين أن ملفات الشرق الأوسط: سوريا، والعراق، وإيران واليمن وغيرها، ستصدر لقاء الطرفين، ولكن مع تأميني على ما يتفضل به بعض المحللين من تحاليل، بأن ملفات الشرق الأوسط السالفة الذكر، ستكون من ضمن المواضيع التي سيتباحث فيها الرئيسان، لكني أُريد أيضًا استقراء هذا اللقاء من زاوية التأزم الحاصل في العلاقات الأمريكية– الأوروبية.

المتابع لهجوم الرئيس ترامب على الدول الأوروبية، سيلاحظ أن ترامب يحاول إثارة دول الاتحاد الأوروبي، وذلك من أجل إعادة دوله إلى المظلة الأمنية الأمريكية من جديد، بمعنى أنه بعد انجلاء التهديد الشيوعي للدول الأوروبية، قلصت الدول الأوروبية إنفاقها العسكري إلى مستويات أدنى، وأوكلت حماية أمنها للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما تسبب في انتقادت لاذعة من طرف ترامب بصورة متكررة، حتى طلب الأخير من الأوروبيين بأن تشارك أمريكا في أعباء أمنهم، وبالتالي يجوز القول بأن هناك مدرسة جديدة في أمريكا، يتزعمها ترامب بنفسه، منزعجة من الروح الاتكالية التي يتحلى بها الأوروبيون، إذ تريد منهم أن يكون لهم إسهام في الحفاظ على الأمن الأوروبي والعالمي معًا.

وتأسيسًا على نداءات ترامب المتكررة للدول الأوروربية، لمشاطرة أمريكا كُلف الأمن الأوروبي، يمكننا القول بأن الولايات المتحدة الأمريكية، قد تخلت عن مشروع الهيمنة الكونية، وتركها لإدعائها بأنها مسؤولة أخلاقيًّا عن الأمن العالمي، وذلك بعد أن أرقها الإرهاب العالمي، وأجهد خزينتها خير إجهاد، بالتالي اليوم نراها بدأت في البحث عن من يشاركها أعباء حماية الجزيرة العالمية، بعد أن لم تجد تجاوبًا من الشركاء الأوروبيين، المنشغلين برفاهية شعوبهم.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه من أول الواقفين بجوار أمريكا في كفاحها العالمي ضد الإرهارب الدولي، هي روسيا البوتينية، إذ تدخلت بكل ثقلها في الحرب السورية بدعوى مكافحة المتطرفين، وبحسب إدارة ترامب أنها أبلت بلاءً حسنًا في صنعها، ولكن بعد أن تضاربت مصالح الطرفين في الساحة السورية، ووصلوا إلى شفير حرب كبرى، تفادى الطرفان وقعوها، وبعد التشنج في المواقف من كلا الطرفين، وفقدت الحلول لحل الأزمة، توصل الطرفان إلى أنه جاء وقت أن يضعا للحرب الأهلية السورية أوزارها، دون أن تعلن روسيا ظفرها، ودون أن تعترف أمريكا وحلفاؤها بهزيمتهم.

وفي سياق الأزمة السورية هناك أولوية أمريكية، وهي الحفاظ على أمن إسرائيل من التهديد الإيراني، ومن المتوقع أن ترامب سيطرح لنظيره بوتين بأن يقنع حلفاءه الإيرانيين بأن يسحبوا قواتهم وميليشياتهم من سوريا، ويشير إليه بأنه إن لم يخرج الإيرانيون من هناك فسوف يطول أمد الأزمة، وروسيا بدورها ستشير إلى دمشق، وتدعي بأنها صاحبة القرار في أن تطلب من الإيراني الخروج من سوريا، وبالتالي تكون أبعد عنها الحرج السياسي مع نظام الملالي، وتكون قد أفشلت محاولة ترامب في تعرية طهران من الغطاء الروسي، والتي كان قد تفرق لها منذ أن بدء رحلة التفاهم مع النظام الكوري الشمالي.

وبإشارة موسكو إلى دمشق، تريد تحقيق غاية الاعتراف الدولي بنظام الأسد، مع العلم بأن ترامب ومستشاره الأمني جون بولتون، قد صرحا مسبقًا بأن مشكلتهما ليست مع الأسد، إنما التواجد العسكري الإيراني في سوريا، وخصوصًا في المناطق المتاخمة لحدود الجولان المحتل، ومن خلال التطورات الجارية اليوم في الجنوب السوري، يلاحظ بأن التحرك الروسي أسهم في عملية إبعاد الإيرانيين عن الجنوب السوري، وأن تحكم القوات السورية، بجانب الشرطة العسكرية الروسية بالجنوب السوري، تدل على أن الخلاف الأمريكي الروسي في الملف السوري قد وصل إلى جزء من التفاهم.

وإضافةً إلى ما تقدم، فإن إدارة واشنطن تريد أن تحافظ على وجود لها، ولو بسيط، على الساحة السورية، وهذا ما ترفضه دمشق وحلفاؤها تمامًا، وقد يتسبب في تعكير صفو اللقاء بين الطرفين، أو بعبارة أخرى قد تكون من النقاط الخلافية بين الجانين، ولكن بناءً على عقلية ترامب التجارية، وبراغماتية بوتين، قد تحصل مقايضة –غير معلنة– بين الطرفين، بموجبها يقبل ترامب بأحقية سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم، مقابل الاعتراف بنفوذ أمريكي على مناطق الأكراد في سوريا.

وبجانب الملفات المذكورة في أعلاه، بالتأكيد سيُعرج الزعيمان إلى الملف الأوكراني، وهو ما يهم الأوروبيون، وإذا ما افترضنا جدلًا بأن إدراة ترامب قبلت بالسيطرة الروسية على شبه جزيرة القرم، وبالطبع من خلال هذه الخطوة تهدف لإرسال رسالة إلى الدول الأوروبية، مضمونها بأن تهديدًا روسيًّا محدقًا بالقارة العجوز، وأن على دولها القيام بواجبها حيال أمنها القومي، وأن أمريكا لن تكون مسؤولة عن حمايتها بعد، وأن حلف الناتو لم يكن مجديًا وعفا عليه الزمن.

في النهاية! بالفعل قمة هلسنكي من المتوقع أن تكون فاتحة لبداية تفاهم أمريكي روسي في ملفات دولية وإقليمية كثيرة، إذ يرى بعض المراقبين أنها قد تجد مخرجًا لأزمات الشرق الأوسط الجارية، على رأسها الأزمة السورية، ولكن دول أعضاء الحلف الأطلسي، لا تستبشر خيرًا بهذه القمة، إذ تنظر إليها نظرة شك وتخوف، لأنها ترى أن ترامب قد غيبها عن أجندة اللقاء، بالتالي هذا ما قد يتسبب في الفترة القادم في سحابة قائمة على سماء العلاقات الغربية الغربية، ما قد تؤثر في الوضع الدولي بشكل عام، والغرب بشكل خاص في ظل تصاعد التيار الشعبوي هناك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد