لم أكن أفهم دلالة هذه الحكمة الدائرية (نسبة إلى الطريق الدائري الذي يربط القاهرة بجارتيها الجيزة والقليوبية) أو (نسبة إلى دورانها مع الأيام والأحداث مهما تتغير السنون والأماكن) إلا حينما كنت أسير أول مرة على الطريق الدائري وأنا أقود ثاني سيارة اقتنيتها منذ سنوات مضت زادت عن عشر، حتى ضجت مني، فباعتني قبل أن أبيعها، ألا وهي سيارتي الزرقاء الشهيرة يومئذٍ، والملقبة لدى نظيراتها من السيارت الفارهة بــــــ[ وَن تو إيت] وتيسيرًا للترجمة، أي 128، حيث كنت أقودها وأنا منهمكٌ في قصيدة كانت قيد خاطري، وإذ فجأة، أشعر بالأرض تزلزل تحت قدميّ، ولا أبالغ وصفًا، أنني ترنحتُ بها وترنحتْ بي، وأصابنا معًا دوار الطريق، فالوحش الكاسر يمر بجانبي؛ نعم إنه تريللا ذات مقطورتين، مقدمتها تكاد تتبرأ من مؤخرتها، وهما معًا ينذران بتبرئة الطريق ممن يمرون عليه؛ هواء المقطورتين فقط أبعداني مسافة أمتار إلى جانب الرصيف، وما وقاني من ضياع مقدر وأجل محتوم إلا ستر الكريم؛ ثم أبصرتُ، وقد جاوزني ذلك الوحش أنا وغيري متبخترًا، عبارة أشبه بالتتر الإعلاني المتحرك، كتبت بالخط الفارسي الرشيق على خلفية المقطورة ألا وهي «من حق الكبير يدلّع»!! ساعتها، ففهمت قدْري، وحمدتُ ربي، وسلّمتُ معترفًا بحقه في الدلع، وفي واجبي أن أهيئ له ما يلزم ذلك الدلع على الطريق، ولو كان الأمر بيدي لوقفتُ أنا وسيارتي ومن هم على شاكلتي إلى جانب الطريق نرفع الأكف بالتحية والإعظام لجنابه!!

تذكرتُ تلك الحادثة التي مرَّ عليها سنوات، حين رأيت المحترم «ترامب» وعائلته على شاشات التلفاز يزورون المملكة السعودية منذ أيام، ورأيت واستمتعت برقصته مع الملك، وتابعت نشرات الأخبار وما تبعها من تحليلات حول ما قدمته المملكة إزاء زيارته المباركة. ولم أتعجب مثلما تعجب البعض من كم المبالغات التي قيلت عن حفاوة استقباله هناك؛ فالمملكة والعرب جميعًا أهل كرم ونخوة، ومستعدون نحن جميعًا كجدنا حاتم الطائي أن نذبح ولدًا من أولادنا من أجل إكرام ضيوفنا؛ فكيف نستغرب حفاوة وكرمًا للوحش الترامبي الكبير. أنا حقيقة لا أخفي إعجابي بالقوة الجسيدة الهيكلية لترامب الوحش، ولا أنسى أبدًا أنه كان متعهد مسابقات المصارعة يومًا ما قبل دخوله عالم السياسة، ولا شك أنه رئيس ذكيٌ يقود أكبر وأقوى دولة في العصر الحديث، ولذا أرى أنه من الواجب أن نحتفي بقدومه وإطلالته. صحيح أنه قد هالني كم الأبهة في توسط سيارته الوحش وهي تخترق شوارع الرياض وسط الخيول العربية الأصيلة على جانبيها، لكن ذلك طبعي وغير منكور، وماذا في ذلك؟ الرجل جاء (زائرًا) فكيف لا نفتح له (خزائن الكرم والضيافة) ما كانت لتفتح لولا زيارته. إنما ماذا نقول على (الهَرْي الفيسبوكي) ونميمة (التوك شو). المهم أنني حين سئلت عن رأيي فيما أرى، كانت إجابتي والحمد لله حاضرة: يا سيدي من حق الكبير يدلّع!!

المدهش في المشهد التالي، وهو أن ترامب قد غادر المملكة متوجهًا إلى إسرائيل، حيث يعقد اجتماعات مباشرة مع كل من رئيس الوزراء الإسرائلي بنيامين نتانياهو في تل أبيب، ومع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في بيت لحم، ويعتزم التقريب في وجهات النظر وتقرير المصير للشعب المحتل، وبعد ذلك سيتوجه إلى بابا الفاتيكان، حيث سيجتمع مع البابا فرانسيس… وكأنه بحضوره القمة العربية الإسلامية في المملكة السعودية ثم الفاتيكان، ولقائه مع نتانياهو ومحمود عباس من بعد، يؤصل لكونه يحمل هموم العالم المتصارع، ويرمي إلى إقرار السلام في الأرض، وأنه ربما يكون المخلّص للعالم من هموم طالما أثقلته… بعد كل هذا، ألا يستحق منا أن نكبره ونحتفي به، أو على الأحرى أليس من حقه وهو الكبير أن يدلّع؟!! سؤال لا أنتظر جوابًا له.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد