لم يكن هناك قدر كبير من التفائل بخصوص قمة القرن العشرين بين الرئيس الامريكي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جوان، فالأول هو شخص متقلب الأطوار ورجل مزاجي، يمكن أن تتوقع منه أي تصرف.

الهمجية والهوس الذاتي هو العنوان البارز له، بالإضافه إلى العجرفة وعدم الاستقامة السياسية.

أما الثاني فهو دكتاتور يعمل على عجلة خارج القواعد الأخلاقية في بلاده، فكثيرًا ما يسمع عنه سلاسل غير متناهية عن الإعدام والسجن، ومستبدًا لا يرحم ومصابًا بجنون العظمة.

ومع كل هذا شاءت الأقدار أن تخرج القمة بقدر معقول من النتائج.

بدأت القمة بلقاء مغلق ومباشر بين الزعيمين ويبدو أنهم من الوهلة الأولى قد تفهما بعضهم البعض، فطريقة ترامب المزعجة في المصافحة لم يطبقها لحظة مصافحته للشاب الثلاثيني القوي، لقد كان ترامب لطيفًا إلى حدما ومتقمصًا شخصية النجم التلفزيوني الرائع وشيء من الكوميديا الساحرة التي يمتلكها.

لكن لم يكن متوقع من ترامب هذا القدر من الالتزام بالبروتكول ناهيك عن اللباقة والمهنية، فالرجل الذي عاد لتوه من قمة السبع الكبار التي انعقدت في كندا، كان قد أحدث حالة من اللامبالاة وعدم المسؤلية برفضه التوقيع على البيان الختامي للقمة بحجج واهية، موجهًا انتقادات عنيفة للدول المشاركة، متهمها بسرقة اقتصاد بلاده، وقبل ذلك هو نفسه ترامب الذي ألقي بدون سابق إنذار قمة سنغافورة في رسالة وجهها بتاريخ 24 مايو (أيار) الماضي، وردت كوريا بالترحيب بالقمة متي شاء، وعاد بعد عدة أيام ليقرر الموافقة بالقمة في 12 يونيو (حزيران).. أليس هذا العجوز مدفوعًا بهوسه الذاتي.

أما كيم جون أيل فهو ظهر بمظهر رجل الدولة البرجماتي الذي يعرف ما يريد، فتخلى عن هوسه الذاتي الذي لازمه لسنوات، لكن اللافت للنظر أن الرجل وصل إلى سنغافورة بطائرة تحمل شعار جمهورية الصين الشعبية، وكأنه يريد أن يقول إنه ليس وحده، وإنما خلفه حلفاء أقوياء، وليس يسير وحده.

اللقاء الذي يأتي بعد ما يزيد عن 600 عامًا من العداء لم يكن وليد اللحظة، فقد مهد له لقاء آخر جمع الزعيم الشمالي بالجنوبي في 27 أبريل (نيسان) الماضي، وخطط لكل هذا بنجاح فائق شقيقه كيم جون الصغري، المرأة الأكثر تأثيرًا في كوريا، فهي أول مسئولة تزور كوريا الجنوبية بوفد رفيع المستوى في فبراير (شباط) الماضي، واستقبلها الرئيس الجنوبي شخصيًا ووجدت اهتمامًا غير مسبوق وغير متوقع منها شخصيًا.

من نتائج اللقاء وقع الطرفين علي وثيقة مبادئ وحسن نوايا، ورحب بها دول الجوار الكوري، اليابان، الصين، كوريا الجنوبية، وبحزر روسيا؛ مما أعطت أملًا لكي تصبح شبه الجزيرة الكورية خالية من أسلحة الدمار الشامل فيما حزرت إيران من مصير مماثل للاتفاق بالاتفاق النووي بينها وأمريكا والذي نقضه ترامب قبل فترة قصيرة.

ترامب في آخر كلماته عن القمة في مؤتمر صحافي قال إنه فهم أن كوريا الشمالية تبحث عن صفقة، وأنه يفهم جيدًا في مسألة الصفقات. أخيرًا اصطحب كيم جون إيل إلى سيارته الرئاسية الوحش وبدأ يشرح له عن السيارة البالغة الرفاهية والترف مستصحبًا قدرًا من النرجسية والهوس.

إن من سخرية القدر أن يستطيع رجل أخرق ومعتوه مطرب في الشخصية والعقل أن يحقق ما عجز عنه جميع رؤساء بلاده السابقين، وهو مجرد لقاء وتفاهم في مسألة الصواريخ البالستية والأسلحة النووية.

رغم التفاؤل إلا أن الشيطان يكمن في التفاصيل، ومزاج ترامب ونقضه للعهود أكبر من الشيطان نفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد