أكمل ما تبقى من ذلك الفصل الذي تعرضت له في مطار (JFK)؛ لأن الحياة مستمرة ولا تتوقف أبدًا وليس لها حد، والأيام تمضي مُضاءً حثيثًا، والأحداث تتوالد توالدًا عجيبًا، وفي ذلك كلّه يكمن الخير والشر للإنسان. فقد ينتج أعظم خير من أعظم شر، كما ينتج أعظم شر من أعظم خير، ولا تستبين الأمور حتى يتم هذا التوالد ويظهر على مسرح الكون، كما يقول الأديب المصري أحمد أمين.

ساد الهدوء في ذلك المكتب الكئيب الذي أمضيتُ فيه ساعات الانتظار المملة، وأنا أتأمل من النافذة المطلة على صالة القدوم، وصفوف الناس لا تكاد تنتهي، يقفون في زحام منتظم وهم سعداء، وفي تمام الساعة 5.15 مساءً بتوقيت نيويورك أتى إليّ ضابط آخر، وطلب مني أن أتبعه إلى الصالة الثانية، وتبعته حتى وصلنا فدخلنا سويًا فوقف صامتًا ينظر إليّ ثم قال: لا توجد لديك الكثير من الخيارات المتاحة!

قلت: ماذا تقصد؟

قال: يُمكنني أن أقدم لك المساعدة!

قلت: كيف؟

قال: تقدم بطلب لجوء سياسي حتى تستطيع الدخول!

قلت: هذا محال أتيت إلى هنا بتأشيرة (F1) وهي للدراسات العليا، أنا لم أطلب اللجوء أو الهجرة فإما أن تسمح لي بالدخول بهذه التأشيرة أو العودة من حيث أتيت!

قال: إذا رغبت في العودة من حيث أتيت، يجب عليك أن تتنازل عن التأشيرة التي تحملها.

بعدها استمر الضابط يتحدث معي إهدارًا للوقت، وكأنه يحاول إخفاء شيء مهم، وفي تمام الساعة 8:00 مساءً بتوقيت نيويورك قال لي:

توجد رحلة عودة إلى مدينة جدة على متن الخطوط السعودية، والطائرة ستقلع بعد 30 دقيقة من الآن؛ لذلك يتوجب عليك التنازل عن التأشيرة إذا كنت تود العودة مع السماح لك بإمكانية التقديم مرة أخرى على التأشيرة، ولا يكون عليك منع من دخول الولايات المتحدة!

لم أمتلك الوقت الكافي من أجل التفكير أو دراسة القرار أو حتى الاستشارة، والتردد بين الإقدام والإحجام سمة ذميمة دائمًا؛ لأنها تقضي على الفرص المتاحة للإنسان في شتى مناحي الحياة.

 فكان الرد حاسمًا وسريعًا بأني متنازل عن التأشيرة فما هي إلا لحظات حتى أخذت بصماتي، والساعة تشير إلى 8:18 مساءً بتوقيت نيويورك، ثم وقَّعت على نموذج التنازل، ثم خُتم على التأشيرة بعبارة (CANCELLED – NYC) وأتى إليّ الضابط وبرفقتهِ 4 عناصر – رجلان وامرأتان – يريد منهم مرافقتي حتى أدخل الطائرة وقال بكل برود:

سأضع على معصمك قيدًا حديديًا حتى تصل إلى باب الطائرة ثم تتم إزالته هناك!

قلت: لا يمكن لك أن تفعل ذلك، وانفجرت فيه بصوت عالٍ قائلًا:

أتيت إلى هُنا حرًا، وسأعود حرًا رغمًا عن الجميع!

كانت تجلس على أحد المكاتب في هذه الصالة امرأة شقراء أظنها في العقد الرابع من عمرها ترتدي لباسًا عاديًا لا يوحي لك بأنها ذات منصب أمني مهم، وكانت تحوط عنقها قلادة ذات شعار رسم عليها طائر «العقاب» الذي يتصدر الكثير من شعارات الحكومة الأمريكية، وإداراتها المختلفة، علمت لاحقًا أنه شعار وكالة المخابرات المركزية (CIA)، ومنذ أن دخلت إلى تلك الصالة وهي تراقبني عن كثب وفي صمت مهيب! قضيت في تلك الصالة ما يزيد عن 3 ساعات، وهذه الشقراء لم تحرّك شفتيها بشيءٍ إلى أن دَوَّى صوتي في أرجاء الصالة حينها وقفت وقالت للضابط:

دعه وشأنه، لم يتبقَ على وقت إقلاع الطائرة إلا دقائق… دعه يذهب الآن!

امتثل الضابط لأمرها، وقال هيا بنا فمشيت مع العناصر التي ترافقني مشيًا سريع الخطى في طريق مخصص لا يسلكه عامة الناس؛ لأنك تسير في مَمَرّ طويل ومتعرج وبعد كل 40 مترًا يأتيك باب من الفولاذ يفتح ببطاقة يحملها أحد العناصر المرافقة، تذكرت في تلك اللحظات الحقيبة التي كنت أحملها معي في الطائرة، وكان بداخل الحقيبة جهاز «لاب توب» تبلغ قيمته (1700 دولار )، وقد وضعتها خارج مكتب الجمارك وحماية الحدود الأمريكية (CBP) عندما وصلت؛ لأنه يمنع بشكل قاطع دخول الحقائب إلى ذلك المكان الكئيب!

فقلت للضابط: كانت معي حقيبة وضعتها خارج مكتب الجمارك وحماية الحدود الأمريكية (CBP) حسب ما طلب مني! فقال: لا تخف وضعنا حقائبك في الطائرة!

قلت له: مرة أخرى لي حقيبة وضعتها خارج مكتب الجمارك!

قال: لا تقلق!

وصلنا عند باب الطائرة فرفضت الدخول فقال الضابط ما بك؟

قلت: لا تزال حقيبتي عند المكتب، أريد الحقيبة، ولن أصعد الطائرة إلا بها!

أمر الضابط أحد العناصر بأن يذهب سريعًا إلى المكتب ويبحث عن الحقيبة، وعاد العنصر خالي اليدين، فقال الضابط لي: اذهب أنت مع العناصر لكن إذا هممت بالهرب فسنطلق عليك النار!

ذهبتُ مع العناصر ثم قال لي أحدهم يجب أن نركض، لم يعد لدينا وقت كافٍ، فركضت وإذا بي أسبق الجميع، فإذا هم يقولون تمّهل أيها الشاب! ثم وصلنا إلى المكتب وحملت الحقيبة، وعدنا مرة أخرى ونحن نركض، وأشعر أن نّفسي يكاد ينقطع، وعندما وصلنا إلى باب الطائرة، ظهرت الإنسانية الأمريكية حينما بدأ الحاضرون بالتصفيق والتهليل؛ لأنني أتيت بالحقيبة!

ما أن وضعت قدميّ في الطائرة إلا أوقفني أحد الملاحين وهو شاب سعودي، فقلت في نفسي ماذا يريد هذا؟

فقال: سعيد حمدًا لله على سلامتك، ولعل ما حدث لك كان خيرًا، أنا هنا متواجد من أجل خدمتك!

فشكرته على حسن تعامله ولطفه، وطلبت منه الجلوس في أحد الأماكن المهيأة للنوم، ذلك لأن التعب والأرق قد نال مني ما نال فكان لي ما طلبت!

في تلك اللحظات انتهى فصل من حياتي، وتجربة كانت مريرة بعض الشيء، لكنها مفيدة؛ لأن حياة الإنسان لا تخلو من المصائب مثل، الحوادث المفاجئة، والفشل، وخيانة الأصدقاء، ومعاكسات الأقدار، وما إلى ذلك، فيكون التغلب عليها بالصبر  والتعايش معها، والإنسان قادر على ذلك لا محالة إذا اعتصم بأمرين هما: الثقة بالله ثم الثقة بالنفس.

 والثقة بالله تمحي من نفوسنا الخوف من الغيب والوجل، وتمنحنا الأمل والرجاء كي نمتلك الثقة بأنفسنا حتى نواجه بها أعباء الحياة و متاعبها.

 لذا علينا دائمًا أن نتقبل ما تأتي إلينا به المقادير وأن نتجاوز السؤال «لماذا» إلى السؤال ماذا نستطيع أن نفعل لكي نتغلب على آلامنا ومشاكلنا كما يقول عبد الوهاب مطاوع.

مع تمنياتي لكم برحلات ممتعة إلى الولايات المتحدة، لا تتعرضون فيها إلى الإيقاف أو الاحتجاز أو الاعتقال بمطار (JFK).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد