تفاجأ العالم بالضربات الأمريكية التي شُنت على سوريا، والتي استهدفت قاعدة الشعيرات، لكن حجم المفاجأة الكبرى كان في خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو الأول من نوعه يظهر فيه بشكل رئيس حقيقي متزن يمثل دولة عظمى بحجم أمريكا، تحدث أنه أمر بتنفيذ غارات على مطار النظام السورية «قاعدة الشعيرات» في حمص، ودعا خلال كلمته جميع الشعوب المتحضرة إلى إنهاء سفك الدماء في سوريا، قائلاً: «إنني أدعو كل الدول المتحضرة إلى الانضمام إلينا في السعي إلى إنهاء المجزرة وسفك الدماء في سوريا، والقضاء على الإرهاب بكل أنواعه وأشكاله» ونوه أيضًا أن الضربة العسكرية كانت محددة الأهداف، وأن مصلحة الأمن القومي للولايات المتحدة منع وردع انتشار واستخدام الأسلحة الكيميائية.

ترامب الذي أنهك نفسه في تفكيك إرث سلفه أوباما وحصر نفسه منذ اليوم الأول لتوليه الحكم في السياسات الداخلية، وأصدر القرارات المثيرة للجدل من حظر المسلمين إلى دخول أمريكا، وبنى جدارًا مع المكسيك، والتخلص من قانون أوباما كير، وقضية التنصت على حملته الانتخابية، إلى أن وجه أنظار إليه كيف سيتعامل مع تهديدات كوريا الشمالية، والملف النووي الإيراني، وعلاقته مع بوتين وإقالة مستشار الأمن القومي، وثلة من القضاء المتعلقة بالشأن الأمريكي الداخلي؟ وضع الرئيس ترامب نفسه بمأزق في ظل القضايا المترامية على كاهله لم تأت فرصة أجود من فرصة القفز إلى الأمام على حساب الأزمة السورية والإثبات للجميع أنه ليس كما قال منافسته في الانتخابات هيلاري كلينون بأنه سيكون دمية في يد بوتين إذا أصبح رئيسًا، وأنه لا يمثل أوباما في سياسته الخارجية، سوريا وكما أصبح معروفًا أنها تعيش ظروف حرب عالمية بالوكالات، لكل طرف مصالحهُ وأجندتهُ الخاصة وخصوصًا عند الثلاثي اللعب الأكثر في الشأن السوري «إيران، ورسيا، وتركيا»، في السابق كانت إدارة أوباما المترددة دومًا في ما يخص الشأن السوري، حاولت إدارة أوباما إستاتيك الأزمة؛ أي محاولة إدارة الصراع وليس الحل الجذري لها، خصوصًا بعد فشل مجلس الأمن في إصدار قرارته نتيجة لنسف الفيتو الروسي لأي قرار يتعلق بالأزمة السورية، أيضًا بعدما خذل نظيره الفرنسي هولاند في قصف القواعد لعسكرية السورية، وقال له سأعود لأخذ رأي الكونغرس الأمريكي وعادت على إثر هذا القرار طائرات «رافال» إلى قواعدها.

اليوم ترامب يغير المعادلة المتعارفة عليه، فشخصية ترامب حسب محللين ومراقبين يصعب التنبؤ بسياسته المستقبلية، خصوصًا وأنه امتنع عن كشف توجهاته العسكرية في سورية بعد يوم من مجزرة خان شيوخ وفاجأه بعدها العالم بـ59 صاروخ توماهوك استهدفت قاعدة «العشيرات»، القاعد كانت خالية تمامًا من أي أسلحة كيميائية، وهي أسلحة مركبة وتفسد بعد 15 ساعة من تركيبها، يتم تركيبها بعيدًا عن القواعد الجوية، ومن ثم تُحمل إلى الطائرة ويتم قذفها على الهدف، أما النظام السوري وهو المالك الحقيقي فقط لهذه الأسلحة ارتكب جريمة حرب في قصفه خان شيخون بالقصف حرة فوق رؤوس المدنيين، ما قتل قرابة 86 شخصًا معظمهم من النساء والأطفال، مجلس الأمن الذي ارتكب فضحية في أرجاء تصويب على مشروع تحقيق يتعلق بالقصف الكيميائي، لأنه يعلم أن أي قرار بشأن السوري سوف يقتل بالفيتو الروسي، لهذا السبب وقع ترامب في الاختبار الأول ونجح فيها أمام شعب المحتقن عليه إثر تصريحاته المثيرة للجدل وأفسد على بشار الأسد انتصاره الذي حققه على جثث أطفال خان شيخون، وينذر بأن زمن أوباما وخطوطه الحمر قد انتهى.

ردود الأفعال ما بين مؤيد ومعارض للضربات الأمريكية

لم تتغير التباينات كثيرًا، فالروسية الداعمة بشكل أساسي للنظام السورية عارضت الضربات الجوية حيث اعتبر الكرملين الضربة الأمريكية على قاعدة الشعيرات «عدوانـًا على دولة ذات سيادة» وانتهاكـًا للقوانين الدولية لدولة. كما أوقفت روسيا العمل بالمذكرة مع واشنطن لتفادي الحوادث بسوريا. إيران أيضًا أدانت على لسان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية الضربة».

الدولة العربية وخصوصًا السعودية بعد فتور في العلاقات بين السعودية وإدارة أوباما أيدت الضرب الأمريكية، عبر مصدر مسؤول في وزارة الخارجية وأذكر أن الضربة جاءت ردًا على استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية ضد المدنيين.

من جهتها اعتبرها تركيا وعلى لسان مولود جاويش أوغلو، وزير الخارجية التركي «إن بلاده تدعم الهجوم الصاروخي الأمريكي»، معتبرًا إياه بالخطوة الإيجابية المناسبة.

هل كان رد ترامب رد فعل لثبات نفسه هذا ما أحدث تباينًا في أروقة الكونغرس الأمريكية؟

الجميع سواء أكان الديمقراطيين أو الجمهوريين عبروا عن دعمهم لقرار ترامب، لكن عددًا منهم دعا ترامب إلى توضيح استراتيجية فيما يتعلق بالكشف عن توجهاته العسكرية في سوريا.

رئيس مجلس النواب بول راين الجمهوري قال إن «هذا التحرك مناسب وصحيح». وهذه الضربات التكتيكية تظهر لنظام «الرئيس السوري بشار الأسد» أنه لم يعد بإمكانه الاعتماد على الشلل الأمريكي عندما يرتكب فظائع ضد الشعب السوري.

أما زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر قال إن «جعل الأسد يدفع ثمنًا عندما يرتكب مثل هذه الفظائع أمر جيد». لكنه طلب من إدارة ترامب أنه يجب أن تتبنى استراتيجية وتشاور الكونغرس قبل تطبيقها».

لكن هل فعل كما قالت وسائل الإعلام إن الرئيس ترامب أخبر روسيا بأنه سينفذ ضربة في سوريا، وهل بالفعل تم إخلاء المكان، وهل التقارير التي وصلت من وكالة الاستخبارات صحية، خصوصًا وأن هناك مناوشات بين إدارة ترامب ورئيس مجلس الأمن القومي ووكالة الاستخبارات، أم أن الرد جاء كرد فعل وليست إجراءات سياسة كمتعارف عليه في لعبة الدولة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد