تؤكِّد دوائر الإعلام الصهيوني أن قرار ترامب الذي اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل جاء استكمالًا لوعد بلفور أوائل القرن الماضي، ولكن السؤال الملح في هذه اللحظة الحاسمة هو: ما تبعات قرار ترامب؟ وما هي خيارات العرب في الرد عمليًا على هذا الموقف الذي وسمه غير قليل من المراقبين والمحللين بالمتسرِّع وغير المدروس؟

 وإذا أردنا أن نضع الأمور في نصابها الواقعي بعيدًا عن اللغة العاطفية، وردّات الفعل المباشرة التي ستتلاشى عما قريب؛ بحكم عوامل الزمن، وخيبة الأمل التي سيعاني منها كل من يناصر القضية الفلسطينية، ولا سيما أن تاريخ تعامل الجامعة العربية، بما هي مظلة سياسية تجمع أقطار الوطن العربي، لا تبعث على التفاؤل؛ فالاجتماع الطارئ على مستوى وزراء الخارجية العرب الذي عُقد في القاهرة على مدى اليومين الماضيين لم يصدر عنه إلا ما كنا نعتاده من عبارات الشجب والاستنكار التي لن يكون لها أي أثر سوى كفقاعة لن تمكث طويلًا، فضلًا عن الوعود السابقة التي لم تُترجَم على أرض الواقع، نذكر منها قرار الجامعة العربية في قمة سرت الذي تعهَّدت بدفع خمسمائة مليون دولار لدعم صمود المقدسيين، ولكن شيئًا من ذاك لم يصل إليهم، وهم الذين تركوا وحدهم، ولكنهم على الرغم من ذلك استطاعوا عبر الإضرابات والاعتصامات إرغام نتنياهو على التراجع عن قراره الذي نصَّ على تشديد الإجراءات الأمنية، وفرض قيود صارمة على المقدسيين لمنع دخولهم إلى الأقصى أو الحد منه قدر الإمكان.

ولكن هل ستسفر الاعتصامات والتنديد ومسيرات الغضب التي تملأ شوارع العواصم والمدن في أرجاء العالم المختلفة عن جعل ترامب يعدل عن قراره ويتراجع عنه؟ ليس الجواب عن هذا التساؤل المشروع بمفاجئ، ولا يحتاج إلى طول تأمل؛ ذلك أن ترامب لم يتخذ هذا القرار، إلا ضمن ظروف موضوعية تسمح له بتمريره والتماهي مع تبعاته السياسية والأمنية، فقد استغل ترامب حالة الفوضى والانقسامات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، فالفلسطينيون يعيشون انقسامًا عموديًا سياسيًا واجتماعيًا منذ تسع سنوات، ومصر خارج المعادلة بحكم اتفاقية كامب ديفيد التي وقعها السادات، والعراق تحت السيطرة الإيرانية، وسوريا فيها ما فيها من عمليات تغيير ديموغرافي، وتدمير ممنهج، وقتل وتنكيل بالشعب السوري، واليمن تشهد حربًا طويلة الأمد لم تستطع دول التحالف العربي أن تحسم الموقف العسكري فيها حتى الآن، وليبيا على شفير التقسيم، ولبنان يعيش مآزق سياسية كبيرة كان آخرها استقالة الحريري، والأردن خارج المعادلة بعد اتفاقية وادي عربة، ودول المغرب العربي وشمال إفريقيا لا تمتلك أدوات للضغط بحكم بعدها الجغرافي والجيوسياسي عن الأراضي الفلسطينية، ولا ننسى أن نشير إلى دول الخليج التي تشهد أزمة سياسية وخلافات عميقة بين أعضائها؛ مما أفضى إلى إضعاف مظلة مجلس التعاون الخليجي، وغير ذلك من العوامل الداخلية التي تخص كل الدول العربية، كما أن قرار ترامب ترافق مع عمليات تحقيق حول دور روسيا المشبوه في التأثير بنتائج الانتخابات الأمريكية، ولعله وجد في هذا القرار طوق نجاة ينقذه من العزل أو المحاكمة.

في العودة إلى السؤال الذي طرحناه آنفًا حول إمكانات الرد العربي، نود أن نشير هنا إلى عدم فاعلية أي قرار تتخذه الجامعة العربية، إن لم ينطوِ على أفعال ملموسة تنعكس نتائجها في الواقع السياسي، ولكن الردود العملية تحتاج مواقف جريئة من الأنظمة العربية، تكون مستعدة معها لتحمُّل تبعاتها السياسية والاقتصادية، ومن تلك الإجراءات تجميد الأرصدة العائدة إلى الدول العربية أو الشخصيات الفاعلة في الاقتصاد في البنوك الأمريكية، وتعليق الاتفاقات الاقتصادية، والتي تبلغ مئات مليارات الدولارات، ولاسيما اتفاقات التسليح التي وقعتها بعض الدول العربية مع الإدارة الأمريكية إلى حين تراجع ترامب عن قراره، كما توجد عوامل ضغط أخرى تتصل بالبعد السياسي، ومنها خفض التمثيل الدبلوماسي للبعثات الدبلوماسية العربية العاملة على الأراضي الأمريكية، كما يجب استغلال حالة الاستنكار العالمي لقرار ترامب، فقد عبرت معظم دول العالم عن رفضها القرار، ولا سيما الاتحاد الأوروبي الذي كانت ردود زعمائه واضحة وصريحة في رفض القرار وعدم التجاوب معه؛ لذا يجب على الدول العربية ممارسة كل أنواع الضغط السياسي والاقتصادي والإعلامي لإجبار الإدارة الامريكية على التراجع عن قرارها.

كما يجب عليها أن تعيد النظر في اللجنة الرباعية الراعية لعملية السلام، ولا سيما بعد استئثار الأمريكي وتحكُّمه بقراراتها، كما ينبغي دعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة لعقد جلسة طارئة لمناقشة قرار ترامب وتداعياته، وإصدار قرار من الأمم المتحدة بعدم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقد يقول قائل: ما الطائل من ذلك، وقرارات الهيئة العامة للأمم المتحدة غير ملزمة؟ ولكنها من وجهة نظر قانونية وأخلاقية تترك أثرًا لا يستهان به، وتشكل ضغطًا إضافيًا على الإدارة الأمريكية، وقد تبني عليه الدول العربية لتشكيل حلف دولي ضمن ما يعرف باتحاد من أجل السلام، وهو إطار سياسي وقانوني تتخذه بعض الدول في حال عجز مجلس الأمن عن حل مشكلة تهدد الأمن والسلم العالميين، ولا ننسى أن نشير إلى أهمية الدور الفلسطيني، وهو مركزي في هذه اللحظة التاريخية؛ إذ يجب على القيادات الفلسطينية عدم الاكتفاء بتسريع إجراءات المصالحة الوطنية، بل يجب أن تتجاوز ذلك إلى تحقيق وحدة وطنية تنسجم والتحديات السياسية الكبيرة التي يمثلها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فضلًا عن اتخاذ القيادة الفلسطينية قرارات جريئة وفعالة، ومنها عدم الالتزام بالمعاهدات السابقة، ولاسيما اتفاقية أوسلو؛ لأن الطرف الأمريكي، وهو أحد الضامنين، قد ضرب بكل مخرجات تلك الاتفاقية عرض الحائط، ولم يكترث لتبعات قراره على الفلسطينيين قدر اهتمامه بتحقيق وعوده الانتخابية في دعم الكيان الصهيوني والاعتراف بالقدس عاصمة له، وأخيرًا: إذا أراد العرب أن يرغموا ترامب على العدول عن قراره، فإنهم أمام تحدٍّ واختبارٍ حقيقي أمام شعوبهم وأمام التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد