تعد الانتخابات الأمريكية حدثًا مهمًّا بالنسبة للشعوب الأمريكية ولشعوب المنطقة والمهتمين بشكل عام. إذ يترتب عليها مجموعة من الالتزامات الداخلية والخارجية، كما تجري الانتخابات الرئاسية الأمريكية مرة كل أربع سنوات يختار فيها الناخبون رئيسهم الجديد ونائب رئيسهم للبلاد من خلال دوائرهم الانتخابية التي تحدد المندوبين والأحزاب التي ينتمون إليها وفق مجموعة من الانتخابات التمهيدية والتجمعات الانتخابية الرئاسية التي تسبق الانتخابات النهائية، وتسمى بالثلاثاء الكبير التي تسبقها بحوالي 18 شهرًا تقريبًا، حيث يرشح المرشحون من خلالها أحزابهم، ويجمعون الأموال اللازمة لتغطية حملاتهم الانتخابية، ويجري حينها تسمية المرشحين الحزبيين والمستقلين في جولات الحملات الدعائية في كافة أنحاء الولايات الأمريكية، وذلك استعراضًا لبرامجهم الانتخابية وعرضها على العامة لتبدأ حينها المناظرات التلفزيونية، والتي تعد الأقوى والأبرز من حيث المنافسة للمرشحين للفوز بمقعد الانتخابات الرئاسية، والتي تنقسم بدورها إلى ثلاث مناظرات تلفزيونية تستغرق كل واحدة منها مايقارب90 دقيقة تكون الأولى والثانية مخصصة لمرشحي الرئاسة، والثالثة للمرشحين المحتملين بمنصب نائب الرئيس.

وهذا ما حدث فعلًا بين ترامب وجو بايدن في المناظرة الأولى التي جرت بينهما من حيث شدة المنافسة وتراشق الاتهامات، والتي ركزت على عدة محاور متعددة على الصعيد الداخلي ومن أهمها:

المحكمة العليا- التي رأى فيها ترامب أحقيته في تسمية مرشحها بعد أن قابله بايدن بعدم الأحقية في ذلك من قبل الجمهوريين في التعيين قبيل الانتخابات، وأن الشعب الأمريكي له الرأي في ذلك وهذا ما يجب أن يكون، حيث جرى التطرق بعدها إلى نظام الرعاية الصحية والتي يسمى بـ «أوباما كير)».

إذ وعد فيها ترامب بتخفيض أسعار الأدوية، مؤكدًا أن هذا لم يفعله رئيس آخر من قبل، وسيجري بتخفيضها إلى نسبة كبيرة قد تصل إلى 80% وهذا يعد مكلف نوعًا ما، مع التشكيك من قبل نظيره جو بايدن، الذي رأى بعدم عرض ترامب لهذه الخطة وعدم رغبته بتقديم أي مساعدة للمحتاجين، ولم يقدم أي دعم بالنسبة للمجال الطبي، وأن الملايين يستفيدون من برنامج أوباما كير.

انتفل النقاش إلى فيروس كورونا -كوفيد19، اتهمه بايدن بممارسة لعبة الجولف وتجاهُل الأزمة، ولم تكن لديه خطط في مواجهة كورونا في حين دافع ترامب عن نفسه عندما رأى عدم إعلان العديد من الدول عن ذلك وعن عدد وفياتها بصراحة كما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية مثلًا، بالإضافة إلى أنه قد رفع كافة التجهيزات الطبية لمواجهة الفيروس، وتراجع عدد الوفيات كما قال، وأن الوصول إلى لقاح جديد قد يستغرق أسبوعين فقط وسيتم العمل على توزيعه، وسط تشكيك بايدن الذي نظر إلى ذلك الأمر على أنه لن يتحقيق وقد يستغرق وقتًا إلى منتصف العام القادم.

كما أن عدد الوفيات في الولايات المتحدة الأمريكية يمثل 20% منها حول العالم، متهمًا ترامب بعدم اكتراثه بالشعب الأمريكي وإصراره على فتح الاقتصاد رغم الجائحة، مع اتهامه إياه بالفشل في مساعدة الشركات الأمريكية الصغيرة التي تعاني بسبب الجائحة بقوله إن البلاد تشهد تعاقبًا اقتصاديًّا على شكل حرف K من الوباء، وأن ترامب غير ملتزم بالكمامات ولا بقواعد التباعد الاجتماعي.

ليعود النقاش مجددًا حول ضرائب ترامب، التي رأى فيها بايدن أن ترامب قد دفع 750 دولارًا ضرائب في 10 سنوات، وأن أصحاب المليارات لا يدفعون الضرائب، كما أن ترامب تستغل قانون الضرائب لصالحه، وأنه سيلغي قانون الاستقطاعات الضريبية فور انتخابه.

وبالنسبة للاحتجاجات العرقية، التي شهدتها البلاد في الفترة الأخيرة، فقد دارت دفة النقاش إلى القضية نفسها التي انتقد فيها بايدن ترامب عن خروجه خلال المظاهرات وتوجهه إلى كنيسة قريبة من البيت الأبيض، وتعرُض الأفارقة إلى ظلم ممنهج وتضييق للقانون في أمريكا، وأن هناك عنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن الشرطة تحتاج إلى زيادة في التمويل لكي تحسن من تعاملها مع المخاطر المجتمعة، في حين أن نظرة ترامب كانت مختلفة تمامًا بقوله إن المظاهرات العرقية لم تكن سلمية وقد طالت رجال الشرطة، واتهم بايدن بالتعامل مع الأمريكيين الأفارقة بأسوأ ما يمكن وقد أطلق عليهم تعبير «مفترسي عظام»، على حد قوله.

تناول ترامب جهود إدارته في التعامل مع الاحتجاجات العرقية وفقًا للقانون، واتهم الديمقراطيين واليسار الراديكالي بقيادة الاحتجاجات العرقية في بلاده، معتبرًا بايدن دمية في يد اليسار الراديكالي، حيث أطرى على نفسه بالقول لا يوجد رئيس أمريكي قدم مثلما قدمت، ولا توجد أي إدارة أنجزت كما أنجزت، وبالتالي كان رد بايدن واضحًا بأن ترامب جعل أمريكا أكثر انقسامًا وضعفًا وفقرًا، وقد ازدادت خلال فترته ثروات أصحاب المليارات.

هذا بالنسبة للاحتجاجات العرقية، أما بالنسبة لموضوع آخر مهم هو التطرق في النقاش إلى نقاط حول موضوع القضايا البيئية، التي حذر فيها بايدن من تبعيات كارثية كبيرة في حال تجاهل تلك القضايا، متهمًا ترامب بأنه لا يريد فرض معايير بيئية محدودة. وإلى عزمه الانضمام إلى مؤتمر باريس في حال انتخابه، بعد أن رد عليه ترامب بالقول بما يجب فعله من الكثير حول تأمين موارد بيئية نظيفة، وباعتباره مؤتمر باريس بشأن المناخ كارثة.

وبما يخص نزاهة الانتخابات، عبر بايدن عن عدم تخوفه من تزوير تلك الانتخابات بالبريد، متهمًا ترامب بهذا التلاعب، وبمحاولته إخافة الناس من التصويت كما اتهم ترامب إدارة الرئيس السابق باراك أوباما بالتجسس على حملته الانتخابية السابقة، مع تشديده على أن التصويت بالبريد كارثة بالنسبة له، معلقًا آماله على المحكمة العليا للنظر في قضية التصويت بالبريد وما يشوبها من تزوير، ورده بالقول كما أن النتيجة قد لا تعلن إلا قبل شهر واحد، وبإشارة ترامب إلى العثور على بطاقات اقتراع ملقاة في مقالب قمامة، وهذا ما نفاه جو بايدن على الفور. كما ولقيت المناظرة تنافسًا شديدًا خلال 90 دقيقة في جامعة كيس ويسترن من بين الثلاث جولات المقررة، تحت ظل وطأة أزمة كورونا وما ألقت بظلالها على كرسي الرئاسة في الفترات الأخيرة من حكم دونالد ترامب على مدى أربع سنوات الماضية من الحكم. فهل سينجو جو بايدن من قبضة رئاسة ترامب في الجولات المقبلة القادمة؟ أم سينجو ترامب من قبضة كورونا وما تركته من آثار سلبية خلال الأشهر القليلة الماضية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد