نظرت الإدارات المتعاقبة في الولايات المتحدة إلى سوريا من منظور استراتيجي، واعترفت بدورها الإقليمي المؤثر في الشرق الأوسط وقضاياه الساخنة، كما ظلت السياسة الأمريكية تجاه سوريا تتأرجح بين التأزم والانفراج المحدود، حيث اعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية أن بعض التصرفات السورية تنطوي على تهديد لمصالحها وعدائية تجاه سياساتها في المنطقة. لذلك، كانت العلاقات بين الطرفين تمر بأشكال مختلفة تراوح بين الاحتكاك والصدام، تبعًا للمرحلة والحدث، وسياسة الإدارة الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية، ونظرتها إلى طريقة التعاطي مع الشرق الأوسط وأزماته.

مكانة موقع سوريا الاستراتيجي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية

تعتبر سوريا من أهم المراكز الجيوسياسية والاقتصادية بالنسبة لأطراف المعادلة الدولية الرئيسية وتعد الولايات المتحدة الأمريكية طرفًا فاعلًا ورئيسًا في هذه المعادلة، فموقع سوريا على ضفة البحر المتوسط الشرقية يجعلها بوابة ساحلية للقارة الآسيوية، فالولايات المتحدة تحتاج إلى موقع سوريا لمحاصرة ومواجهة روسيا بعد قيام هذه الأخيرة بضم شبه جزيرة القرم وتدخلها المستمر في أوكرانيا باعتبار سوريا منطقة نفوذ أساسية لروسيا، كما تعمل جاهدة للحفاظ على أمن إسرائيل باعتبارها دولة مضمونة الولاء لها، والضغط على إيران باعتبار سوريا منطقة نفوذ لها وأحد أحجار العقد الإيراني في المنطقة الذي يمتد من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان مما يعني انهيار هذا العقد بهدف جرها إلى التفاوض بشأن برنامجها النووي في كل مرة حتى تستجيب لمطالب أمريكا.

موقع سوريا يربط بين القارات الثلاث آسيا وأوروبا وإفريقيا، وهي بذلك تقع على تقاطع خطوط التبادل والتجارة بين هذه القارات، الولايات المتحدة الأمريكية تريد السيطرة على سوريا من أجل مد خطوط الطاقة من الخليج العربي إلى أوروبا عبر سوريا لكسر حاجة أوروبا للغاز الروسي وإضعاف روسيا التي تشكل لهم عوائق لمخططاتهم الإمبريالية، وكذلك جعل الأراضي والمرافئ السورية ممرًا لاستيراد وتصدير البضائع إلى دول الخليج العربي.

موقف ترامب من الأزمة السورية

في البداية كان من الصعب الحصول على قراءة تتعلق بتفضيلات سياسات ترامب تجاه أزمات الشرق الأوسط نظرًا لأنه لم يتحدث كثيرًا خلال حملته الانتخابية عن السياسة الخارجية ولم يتعدَّ كلامه عن الانتقادات اللاذعة بحق فريق أوباما وكلينتون وأخطائهما في سوريا، العراق، ليبيا وإيران. بعد تولي ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية يوم 20-01-2017 أقدم على خطوات عدة من شأنها إيضاح خطة الإدارة الجديدة تجاه سوريا كما من شأنها وضع نهاية للملف السوري، تحقق في النهاية مصالحه ومصالح سوريا ككل.

تناول ترامب القضية السورية بنفس التوجه العام القائم على رفض التدخل الإنساني، ويفضل عدم إقحام الولايات المتحدة في نزاعات لا تمثل مصالحها، وعلى هذا الأساس فهو لا يحبذ التدخل المباشر في سوريا وبالأخص التدخل العسكري فهو بذلك يتبنى في رؤية للمشهد السوري نظرية «الركوب بالمجان»؛ أي تحقيق المنفعة دون أن يتدخل بشكل مباشر في الأمر حيث صرح عندما كان مرشحًا للانتخابات الرئاسية قال بالحرف: «أنا لن يكون شغلي الشاغل محاولة إسقاط نظام الأسد كما كان يفعل أوباما ومستشارة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون»، موضحًا أن مهمته ستنحصر في الوقت الحالي فقط في التعاون للقضاء على تنظيم داعش، والتأكيد على وقف البرنامج المخصص للمعارضة السورية التي تقاتل الرئيس بشار الأسد لكون هذا البرنامج ضخمًا وخطيرًا وغير فعال على حد قوله، وكان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قد وافق على برنامج المساعدة في العام 2013 عندما كانت مختلف الفصائل تبحث عن دعم دولي في نزاعها ضد النظام السوري. وتراجع التأييد للبرنامج بشكل أكبر في العام 2016 بعد خسارة الفصائل لمناطق كانت تسيطر عليها في حلب (شمال سوريا) أمام الهجوم الشامل لقوات النظام السوري والمليشيات الداعمة لها بدعم جوي روسي.

الأولوية الأولى في الوقت الحالي القضاء على «داعش»

تشكل محاربة تنظيم «داعش»، والحرب على الإرهاب محور اهتمام السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط في عهد الإدارة الجديدة. فقد أكد ترامب أن احتواء انتشار التطرف والجماعات الإرهابية هو أحد أهم أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة. في البداية، كان ترامب مترددًا بشأن التدخل في الصراع، بحجة أنه لم تكن لديه مشكلة في ترك روسيا تحارب التنظيمات الإرهابية في سوريا، معلنًا أن تنظيم داعش الذي تحاربه روسيا تسعى أمريكا بدورها للقضاء عليه بمعنى أن المنفعة مشتركة، وبالتالي فالعنوان الأساسي للخطة الأمريكية في هذه المرحلة هو إلحاق هزيمة نهائية بتنظيم «داعش»، والتعامل مع الفوضى المحتملة بعدها بالتعاون مع الروس، إذ تعلم الأمريكيون من التجربة العراقية أن غياب قوة تحفظ الأمن والنظام على الأرض يفسح المجال أمام انبعاث التنظيم مجددًا وهذا يفرض وجود قوات تمسك بزمام الأمور على الأرض وتمنع انبعاث التنظيم مرة أخرى.

تعتبر هذه الخطوة منعرجًا هامًا في السياسة الأمريكية في هذه المرحلة من الحرب، فبالإضافة إلى تخفيف الأعباء عن الإدارة الأمريكية، فهدف محاربة «داعش» والمجموعات المرتبطة بـه سيكون ضمن سياسة الحدّ من نفوذ إيران والنظام السوري اللذين يستغلان الحرب ضد هذه الجماعات لتوسيع مناطق نفوذهما في سوريا. وعليه، فهدف الحرب على «داعش» وأتباعها، حسب الإدارة الجديدة في واشنطن، لن يكون القضاء عليها فحسب إنما السيطرة على أراضيها ومنع إيران وحلفائها من احتلالها واستخدامها في بناء الممر البري نحو الساحل السوري.

حل الأزمة بالتعاون مع روسيا

على عكس إدارة أوباما، فإن ترامب يرى أن هناك إمكانية للتعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث يعتبر أن سوريا تعد أحد الملفات الرئيسية التي يمكن التعاون فيها مع الرئيس الروسي، وخلال الحملة الانتخابية أكد ترامب أن بوتين يمتلك أوراق قوة في سوريا. وفي ضوء ذلك، لا يستبعد حدوث تقارب بين إدارة ترامب والرئيس الروسي في الملف السوري، كما يصر المسؤولون في إدارة ترامب على أنَّ المشاركة الروسية مهمة لإنهاء الحرب، بالنظر إلى النفوذ الذي حازته روسيا في سوريا بعد مساعدة الأسد على استعادة أكبر المدن السورية. ويأتي هذا التقارب نحو روسيا بعد أن أضحت سياسة موسكو تشكل تحديًا جغرافيًا وسياسيًا خطيرًا للولايات المتحدة، عبر مضيها السيطرة على مناطق نفوذ كانت في السابق تحسب لصالح الأخيرة، ما يدفع الإدارة الأمريكية الجديدة إلى إعادة ترتيب الأوراق الدولية بما يتناسب والمصالح الأمريكية، وعدم ترك «الكعكة» الشرق أوسطية تحديدًا برمتها للروس.

إن تعاون موسكو وواشنطن سيتمحور بخصوص ضرب داعش وتقليص نفوذه على الأرض، فسياسة ترامب في سوريا تقوم على التنسيق الكامل مع الروس والاحتفاظ بنظام الأسد ووقف الدعم الأمريكي للمعارضة السورية بينما ستظل القوات الحكومية تتلقى الدعم الروسي في قتالها مع المعارضة. وفيما تترك واشنطن مهمة حفظ النظام لروسيا والحكومة السورية في المناطق التي تسيطر عليها، سوف يتولى هذا العمل في المناطق الأخرى حلفاء أمريكا، بمعنى أن واشنطن لن تسلم الأراضي الخارجة على سيطرة «داعش» إلى نظام الأسد، التي يسيطر عليها نظام الأسد، فستنتشر فيها الشرطة العسكرية الروسية على غرار ما حدث في حلب.

وفي الأخير؛ إن السياسة الأمريكية في عهد ترامب تجاه القضية السورية لا تزال غامضة وعند الحديث عن هذه السياسة نجدها سلسة طويلة متواصلة، فالسياسة الأمريكية في هذه المرحلة من فترة حكم ترامب لم تتحدد بشكل كامل، خاصة أن الأزمة متشابكة ومتداخلة، ومرتبطة بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية ومصالح حلفائها الإقليميين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عيد القادر محمد التامر، سياسة الولايات المتحدة الأمريكية و ادارة الازمات الدولية، المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات، بيروت، 2015
منصور أبو كرم، أبرم ملامح السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط بعد فوز ترامب، مركز رؤية للدراسات و الأبحاث، غزة
عرض التعليقات
تحميل المزيد