دونالد جون ترامب، عند سماع هذا الاسم سيتبادر إلى ذهنك عديد المواقف والأفكار والأوصاف: الرئيس الأمريكي، الطريف، الوقح، العنصري، رجل الأعمال، أسوأ رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية. شخصية سكيزوفرينية يبدو لمتابعها أو لمن يحاول فهمها أنها غاية في التعقيد، لكنها في غاية البساطة، فإن اتبعنا منهجًا تحليليًّا لكل هذه الجوانب، يمكننا أن نقول إن شخصية ترامب تعاني من تضخم الأنا (Ego)، وتخضع لهيمنة فكرتين رئيسيتين، هما شخصية رجل الأعمال الأمريكي التي قوامها الليبرالية أو الرأسمالية المتوحشة، صحبة عقدة الرجل البروتستانتي الأبيض، وهي ميزات لغالبية الشعب الأمريكي، وإن لم تكن بارزة، فهي كامنة في اللاوعي الأمريكي. كل هذه العوامل بلورت السياسة الأمريكية في الآونة الأخيرة تحت إدارة ترامب. ولكي لا نغالط القرّاء كما يفعل جلّ من ينعتون أنفسهم أكاديميين ومحللين للشأن الأمريكي، فيجب علينا أن نقول إن السياسة الأمريكية لا تسطّرها الإدارة المعلنة ولكن الخفية منها، ومع ذلك توجد نسبة ولو بسيطة للإدارة المعلنة والتي يمثلها ترامب، وهذا موضوع حديثنا.

ترامب آخر مسمار في نعش البروتستانتية:

سنحاول بإيجاز استعراض هذه الفكرة كعنصر من الممكن أن يكون دراسة بحثية. يمثل العرق الأبيض في أمريكا أكثر من النصف أي قرابة 60% من السكان أما البروتستانت فيمثلون تقريبًا 51%.

تاريخيًّا، كل الرؤساء الأمريكان، فيما عدا جون كينيدي الكاثوليكي، وحتى ما يسمى «الآباء المؤسسين» يعدون من البروتستانت. كما أن التقارب الإنجليزي الأمريكي يرتكز رئيسيًّا على العقيدة البروتستانتية، كما أن الأمريكيين البروتستانت لا يعدون الطائفتين الكاثوليكية والأرثوذكسية من المسيحيين، ولا حتى السود من البروتستانت.

إذن نستخلص بإيجاز أن قوام الأمة الأمريكية تقوم على العقيدة البروتستانتية وعلى عرق الرجل الأبيض. وهاتان خاصيتان موجودتان عند ترامب، والذي يبرزهما أكثر من خلال خطابه وسياسته، فهو يحمل مفهوم عقدة الرجل الأبيض بامتياز. ففي خلال مؤتمر قمة ناخبي القيم الذي عقد في واشنطن حضر القس الإنجيلي برانسون، الذي كان مسجونًا في تركيا، دعا لترامب وبعدها قام هذا الأخير بإلقاء خطاب مهاجمًا فيه من نعتهم باليسار المتطرف والاشتراكيين، وهذا يعود لعدة أسباب.

بالرغم من علمانية الدستور الأمريكي فإن أسس الدولة تأسست على القيم البروتستانتية البيضاء، وكذلك على مذهب الأهلانية، إلا أن الطوائف التي يعاديها هذا التوجه حققت مجموعة من الحقوق المدنية أمثال السود مع حركة الحقوق المدنية، اعتراف المجتمع الأمريكي بحقوق المثليين والمهاجرين، حق الإجهاض للنساء، المساواة الكاملة بين المواطنين حتى وإن اختلفوا دينيًّا وعرقيًّا، أيضًا ظهر تحول العديد من الأمريكيين إلى الإلحاد وتطورت نسبتهم. كل هذه العوامل تهدد بقاء الحزب الجمهوري والقيم التي يدعو إليها ترامب، الذي لم يعِ بعد بولادة أمريكا جديدة، بل مازال حبيس قرنين من الزمن، ولهذا سيكون هو المسمار الأخير الذي يدق في نعش البروتستانتية.

ترامب والشرق الأوسط:

تميزت سياسة ترامب نحو الشرق الأوسط بطغيان جانب شخصية رجل الأعمال؛ أي الرأسمالي المتوحش، وهي سياسة الولايات المتحدة نفسها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وإن كانت غير واضحة وغير معلنة، إلا أن ترامب أعلنها. فالسياسة الأمريكية تتعامل مع العالم ككل بمفهوم الغنيمة، ولا يوجد مكان نزل به الجيش الأمريكي ولم يجمع منه غنائم.

فقد أعلن ترامب بكل وضوح أن الجيش الأمريكي سيتقاضى أموالًا إذا تحرك من أجل مساعدة أي دولة أخرى من الأصدقاء، وهذا ما رأيناه خلال معاملة دونالد مع ابن سلمان.

نشر ترامب في تغريدة لاحقة قرار الانسحاب بالتساؤل «هل تريد الولايات المتحدة أن تكون شُرطي الشرق الأوسط؟ وألا تحصل على شيء غير خسارة أرواح غالية وإنفاق تريليونات الدولارات لحماية أشخاص لا يثمّنون في مطلق الأحوال ما نقوم به؟ هل نريد أن نبقى هناك إلى الأبد؟ حان الوقت أخيرًا لكي يقاتل الآخرون».

وكان يعني بالآخرين روسيا وإيران وسوريا، الذين بات عليهم قتال تنظيم «داعش» وغيرهم. لذلك اتخذ ترامب قرار سحب قواته من سوريا وعديد المناطق. فالرجل تقوده ذهنية رجل الأعمال، فهو لا يفوت فرصة للبحث عن الكسب المادي.

أيضًا من خلال صفقة القرن وعلاقة إدارة ترامب بالملف الفلسطيني يبرز قربه من إسرائيل على غرار صهره جاريد كوشنر الصهيوني، الذي بيده ملف الشرق الأوسط، ولهذا وضع ترامب ملف وهندسة صفقة القرن في يد صبي القهوة.

ومن المهم أن نذكر أن السبب الرئيسي وراء دعم ترامب لإسرائيل يقوم على أساس ديني بحت، وذلك لأن الكنيسة الإنجليكينية البروتستنتاتية التي يؤمن بها ترامب ترى أن اليهود شعب الله المختار، وأن دعم الدول البروتستنتانية لإسرائيل يعد واجبًا دينيًّا مقدسًا.

كما أن ترامب يعتمد في تمويلاته على رجل أعمال يهودي، شيلدون أديلسون، الذي ينعت بصانع ترامب، وأيضًا على اللوبي الصهيوني بأمريكا «أيباك».

أما بالنسبة لبقية اللاعبين في المنطقة كإيران وتركيا وبقية الدول في المنطقة، فهم يرون أن صراعات ترامب تقودها ثنائية رجل الأعمال والرجل الأبيض، فإن توفرت الأموال تغيب تلك العقدة، وإن غابت تتجسد في خطاب عنصري مغذٍّ للصراع، فترامب لا يتحلى أبدًا بخطاب دبلوماسي وإنما خطابه خطاب بورجوازي متغطرس يعاني من تضخم الأنا والأمة الأمريكية.

سياسة ترامب تجاه بقية بلدان العالم:

سياسة ترامب تجاه الاتحاد الأوروبي تحمل عنوان «المال أولًا»، لذلك سعى ترامب لهدم هذا الاتحاد الكاثوليكي الذي يعد من أكبر المنافسين له من الناحية الاقتصادية، ويعد تهديدًا لأحد أهم أذرع القوة الأمريكية في العالم وهو الدولار؛ فقد انسحب ترامب من اتفاقية المناخ بعد توقيع عديد الدول عليها، أيضًا نقله السفارة الأمريكية إلى القدس، والتي أثارت سخط الدول الأوروبية التي اعتبرتها حركة تهدد عملية السلام، من ثم قرار انسحابه من الاتفاقية النووية مع إيران التي هندستها الدول الأوروبية وسعت لتحقيقها وإنجاحها.

أيضًا، فرض ترامب رسومات جمركية مجحفة على البضائع الأوروبية، وأبدى استياءه من تفوق حجم صادرات ألمانيا إلى أمريكا عن حجم وارداتها. كما ساند ترامب انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، فترامب يعي أن الدول الأوروبية تعد كتلة اقتصادية قوية يجب تفتيتها للتحكم فيها. لذلك يعمل ترامب جاهدًا على هدم هذا التكتل الاقتصادي بكل الطرق وذلك لخلق حلفين: الحلف الكاثوليكي بقيادة الاتحاد الأوروبي والحلف البروتستانتي بقيادة الولايات المتحدة، مما يعيدنا إلى سياسة حرب الثلاثين سنة الأوروبية. كما يمكننا أن نلاحظ أن سياسة ترامب مع السعودية، وحتى مع الدول الأوروبية والناتو لا ترى بالأحلاف والصداقات، وإنما بمنطق واحد فقط هو الربح أو الخسارة، ومن هنا يحدد ترامب علاقته بالطرف المقابل في حالة ربح حليف وخسارة عدو.

أما بالنسبة للصين، فبعد قرابة 18 شهرًا من صراع تجاري بين البلدين يقوم على الكر والفر، وضع ترامب رسوم جمركية مجحفة على البضائع الصينية، وضرب إحدى كبرى الشركات الصينية «هواوي»، بفضيحة تجسسها، لتمنع دول عديدة بيع هذا المنتج بأسواقها.

وتوصلت أخيرًا أمريكا بقيادة ترامب إلى إمضاء إتفاقية تجارية ضخمة في الشهر الماضي، لتلغى الرسوم المفروضة ويغرد ترامب على تويتر: «اتفقنا على صفقة كبيرة للغاية مع الصين، وهي مرحلة أولى تشمل العديد من التغييرات الهيكلية والمشتريات الضخمة للمنتجات الزراعية والطاقة والسلع المصنعة، وغيرها». تعهدت الصين بموجب هذه الاتفاقية بمشتريات إضافية بقيمة مائتي مليار دولار على الأقل من البضائع والخدمات الأمريكية على مدار العامين المقبلين، بينما علقت الولايات المتحدة أو خفضت بعض الرسوم الجمركية على البضائع الصينية، وبهذا تصبح أمريكا المستفيدة الكبرى، وهكذا تعد صفقة تجارية ناجحة لرجل الأعمال، فهذا هو المنطق السياسي بالنسبة لترامب.

فالرجل لا يفوت أي فرصة ليستعرض شخصيته الرأسمالية وعقدة الرجل الأبيض، فقد علق مؤخرًا على مسابقة جوائز الأوسكار السنيمائية مبديًا استياءه من فوز فيلم من كوريا الجنوبية بالجائزة، وأبرز في خطابه بأن السبب الأول أنه من كوريا الجنوبية (هنا عقدة الرجل الابيض)، وثانيًا بسب المنافسة التجارية مع بلاده.

لا يمكن حصر سياسات ترامب وخطاباته وتغريداته على تويتر وغيرها في مقال وحيد، فهي مادة بحثية مهمة، فلو انطلقنا في تحليلنا لشخصية الرجل من خلال خلفيته الإثنية الدينية، وشخصيته كرجل أعمال، سنتوصل لفهم كما بيّنا كل حركات ترامب وسياساته تجاه القضايا الخارجية والداخلية، التي مع الأسف لم نتمكن من ذكرها كلها لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله.

تمكنا من خلال الأمثلة التي أوردناها ما ذهبنا إليه حول تمحور شخصية الرجل حول ثنائية المركزية العرقية والرأسمالية، التي تعد المحرك الرئيسي لكل سياساته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد