أول درس في السياسة، أنه لا يوجد حدثان متشابهان، وأي تشابه في الأحداث هو تشابه في الشكل فقط مع وجود اختلافات كثيرة في المضمون، فالحدث يختلف باختلاف الشخصيات، وباختلاف الظروف وما يمكن اعتباره تصرفًا حكيمًا إذا صدر من شخص معين في ظروف معينة يمكن تقييمه باعتباره تصرفًا أحمق إذا صدر من شخص آخر في ظروف أخرى.

وهذا هو الفخ الذي يقع فيه الكثيرون من هواة عقد المقارنات، فيقارنون بين حدثين لأدنى تشابه بينهما في الشكل ويغفلون عن اختلافات جمة في تفاصيل الحدثين.

إن دعوة ترامب العلنية لإيران بالتحاور معه بدون أي شروط مسبقة هو تصرف يدل على غباءٍ سياسي من ترمب، ولكن في نفس الوقت لو صدر هذا القرار من شخص آخر وفى ظروف وملابسات أخرى، لكان من الممكن اعتباره براعة سياسية، كيف؟

فلو أن رئيسًا أمريكيًا آخر رسم لنفسه صورة في أذهان العالم أنه رجل يدعو للسلام، ولكنه في نفس الوقت مستعد للحرب دفاعًا عن مصالح بلاده، أي أن خيار الحرب ليس الأول لديه ولكنه غير مستبعد من تفكيره، وقام الرئيس بمهاجمة الاتفاق النووى مع إيران مدعيًا أن إيران لم تلتزم به، وأن استمرار هذا الاتفاق بهذا الشكل يمثل خطرًا على مصالح أمريكا في المنطقة، ولكنه مع ذلك لم يقم بإلغائه وبدلًا من ذلك وجه دعوة علنية لإيران للحوار.

دعوة مثل هذه كانت ستكون قمة الدهاء السياسي، وكانت ستضع إيران في موقف حرج، لأن دعوتهم علنًا للحوار كانت تعني أن الرئيس الأمريكي راغب في السلام، ورفض إيران الحوار معه معناه أنها ترفض السلام وتسعى إلى المواجهة العسكرية، وهو ما سيعضد موقف الرئيس الأمريكي، ويستطيع أن يلغي الاتفاق النووي معها بعد أن أثبت للعالم أنها غير راغبة في السلام وتسعى للحرب، وإذا قبلت إيران الحوار فإنها ستكون مجبرة على تقديم تنازلات، لأن أي فشل للحوار كانت ستتحمل إيران مسئوليته، باعتبار أن أمريكا هي التي سعت للحوار، وما رسخ في أذهان الناس أن الساعي للحوار هو الحريص على نجاحه، وأي فشل يتحمله الطرف الآخر.

أما مع ترامب فالأمر مختلف، فهو قد قدم نفسه للمجتمع الأمريكي وللعالم كله باعتباره الرجل القوي الذي سيعيد لأمريكا هيبتها وقوتها، وهو قد قام بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران بشكل منفرد، جعل حلفاءه في أوروبا يكادون أن ينفضوا من حوله، وبالتالي فإنه بدعوته لإيران للحوار بدون أي شروط مسبقة قد وضع نفسه تحت رحمة إيران، فإذا رفضت إيران الحوار معه ستكون إهانة له، وستهز صورته التي سعى أن يرسمها لنفسه باعتباره رجلًا قويًّا يحكم العالم وكلمته نافذة على الجميع.

لهذا سيسعى للضغط على إيران لكي تقبل بالحوار معه، ولكن ما هي وسائل الضغط لديه؟ إن الاتفاق النووي الذي كان من الممكن أن يكون إلغاؤه ورقة ضغط في يده قد ألغاه بالفعل، والمواجهة العسكرية الشاملة تعرف إيران من خلال قراءة تصريحاته ومواقفه أنه لا يسعى لها، لآثارها الاقتصادية المدمرة على أمريكا، وهو يهتم بالاقتصاد في المقام الأول، والحرب بالوكالة من خلال حلفائه بالشرق الأوسط هو أمر لا تخشاه إيران كثيرًا، بل ربما تسعى إليه لأنه سيعطيها الفرصة لتقوية نفوذها في الخليج وخاصة السعودية، التي يوجد في المنطقة الشرقية منها كتلة شيعية ضخمة، من الممكن أن تكون نواة لدولة شيعية موالية لإيران في شرق الجزيرة العربية.

وبالتالي فإن ترامب لا يملك في الواقع العصا التي من الممكن أن يضغط بها على إيران، وليس أمامه إلا الجزرة لإغرائها بالحوار معه، لإنقاذ صورته لدى ناخبيه، أي أنه لكي يدفع إيران لقبول الحوار معه فعليه أن يقدم تنازلات لإيران، وهو أعلن أن الحوار بدون شروط، وبالتالي فالتنازلات التي سيقدمها هي التراجع عن بعض مواقفه التي اتخذها ضد إيران من قبل.

وسيظل ترامب يقدم التنازل تلو الآخر لمجرد أن تقبل إيران الحوار معه، وستستنزف إيران التنازلات منه وفى النهاية ستقبل بالحوار معه بعد أن تكون قد انتصرت عليه بالفعل بغض النظر عن نتيجة الحوار.

لقد كان إعلان ترامب دعوة إيران للحوار معه بشكل علني قرارًا خاطئًا، وكان الأجدى به أن يرسل رسائل سرية مع وسطاء لإيران بأنه مستعد للحوار بشروط، وعندها كانت إيران ستقبل الحوار وتقبل الشروط، لأنها في حاجة للخروج من الموقف الصعب الذي وضعت به بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، ولكن الإعلان عن دعوته للحوار أعطى إيران قوة، وأشعر الجميع أنها أقوى من أمريكا التي تستجدي الحوار معها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات