كثير منا تلقى المواقف المفاجئة التي تفرض نفسها بقوة الحضور والتأثير دون معاد أو استئذان، أمام أشد الأمواج الغاضبة والهائجة لغرض إغراقنا في بحر شاسع من التيه والتشتت الذهني، ولإظهارنا بحالة ضعف وعجز حتى لا نتمكن من مجابهة تلك الأمواج التي أخذت في وهلة منحنى الهيجان الشديد والشكل المحاصر لنا، ولا حتى أن تدعنا بأن نبحث عن شيء ما ينقذ ذاتنا ويعيد ما فقدناه.

ولا أهمية مطلقة لتلك المجازات التعبيرية، لأنها حضرت وذهبت وتركت لنا كلامًا آخر نركز عليه ونعيش في ضيافته لو قليلًا، لعلنا نصل إلى بر الأمان ونقدر على هزيمة مواقف لعينة وغادرة، هدفها بالأساس تشويه شخص يملك صورة حقيقية وأصلية. لا زجاجية التركيب، لا دراماتيكية التصرف. فكل موقف يحدث معنا له نمط وظرف وسمات مختلفة، وقد يكون كاشفًا لنا طبيعة شخص زرعنا ثقتنا به، وكذلك قد يجري لنا اختبارًا لنأخذ النتيجة النهائية وهي كذب وخداع شخص لم يكن جديرًا بثقتنا أصلًا، وهذا يصدم ويوجع، وفي الوقت ذاته يريح الذهن والفؤاد مع اعترافنا الحتمي بأنه ترك غصة وتجربة أليمة في نفس من وثق به وقدره عاليًا. وقد يكون موقفًا خبيثًا ذا مهمة محددة وطارئة وهي التشكيك وهزهزة الثقة بشخص ما، استنادًا إلى استنتاج خاطئ وسوء ظن شيطاني، ومؤشرات سبقت وتلت الموقف. وهذا يقودنا إلى حالة من فوضى الأفكار والتقديرات والتخمينات والتعب العاطفي لا يُرثى لها، ويجعلنا متخبطين وجارحين لدرجة توجيه الأحكام والتهم إلى شخص حكم عليه حظه ونصيبه بأن يظهر بصورة مهتزة ومشوهة. والأسوأ من ذلك أنه ينتظر كالمسكين بسلاح صدقه ونيته الطيبة أن تلتطم تلك الأمواج القادمة على شكل (كلام تصاعدي وعنيف) بطبعضها ببعض لتصل إليه كالموجة الضخمة والمؤثرة في نفسه. ويبقى ينتظر مصيره!

وأعلم أن الثقة في الآخرين يُصعب تحديدها، ويستعصى التأكيد من الشخص الجدير بها إلا بخوض التجربة في بعض الأحيان، وهذا ما أشار إليه الكاتب الأمريكي إرنست همنجواي بالقول «إن أفضل طريقة لمعرفة إذا كان يمكنك الوثوق بشخص ما هي الثقة به»، وفي قول آخر «الثقة بك هو قراري، إثبات صوابي هو اختيارك».

والتجارب والدراسات تقول إن كثيرًا يعانون من صدمات كثيرة في أعقاب الثقة في الأشخاص الخطأ، وأنا أقول إن التجربة خير دليل على معرفة طبيعة الأشخاص إن كانوا صادقين أم لا، لكن ليس كل موقف عابر وظالم وغادر وخادع يُعد تجربة مثالية لكي نتسلح بها ونتسلق من خلالها على حبال التشكيك، وتجعلنا نفقد نهائيًّا الثقة بالآخرين ونقوم بتصوير الأشخاص على أنهم كاذبون ولا يستحقون الثقة والحب والتقدير، وهم أبرياء وسيئين الحظ ليس إلا، وحالتهم لا تستدعي القرارات المؤلمة التي قد تتخذ بحقهم لمجرد لعين أبدع الدور.

ونصيحتي إلى كل شخص قبل ينطق بالحكم على الآخر نتيجة موقف أو تصرف ما، عليه أن يتريث قليلًا ويقيم الموقف من كل جوانبه وأن يقترب من الثقة الذي منحها له. لا أن يهملها ويلغي حضورها ويذهب بعيدًا بهاجسه إلى سوء الظن والتحليلات المخيفة والصادمة، وأن يحاول قدر المستطاع أن يسمعه قد يأتي الأخير بأمور توضيحية تدل على نوايا صدقه، وأنه مظلوم حقًّا، ولا يستحق أي ردة فعل مؤلمة تشل حركته ولسانه ليصبح غير قادر على الدفاع عن نفسه.. وفي صورة أخرى إن كنت حذرًا و سمحت لنفسك أن تعطي القليل من الثقة في بداية علاقتك مع أي شخص، وفي لحظة ما صدمك حدث بسيط جرى بينك وبينه، وأزعجك وأغضبك وآلمك، عليك ألا تصور الحدث بأنه عظيم وخطير، وتبدأ بإطلاق سهامك القاتلة عليه دون رحمة، فهو ربما يضع كل ثقته بك ويهتم بتفاصيلك ولا يسعى إلى أن يسبب لك الأذى والضرر طيلة علاقتك بك، ونفترض أنه سبب لك حزن وغضب، انتظر تصرفه وصنت له حتى تقتنع بعقلك قبل مركز جسدك، وفي حال أبدى تمسكه بك، وكان طالبًا الرجاء والعطف، قدره بنفسك وتخلى عن مبدأ العقاب والجفاء ومنحه فرصة أخرى لتعرفه جيدًا وكأن شيئًا لم يحدث.

وأتمنى ألا يفهم القارئ بأنني أقلل من أهمية الثقة، بل كنت حريصًا على أن أعري ذلك الموقف الذي وصفته بأكثر من كلمة فائتة، والذي يعاني منه الكثيرون والذي كلفهم متاعب في العاطفة والحب، وأقدم نصيحة لمن يظلم ويأخذ مواقف حادة تجاه الآخرين ويدرك فيما بعد أنه أخطأ وتسرع في الحكم على أشخاص وفق مبدأ الظن المذموم، وبالآخر تثبتت الأيام بأنهم أبرياء ويستحقون الثقة التي أكدت عليها عالمة النفس أندريا بونيور، والتي تتطلب الكشف عن أنفسنا أمام الآخر الذي نثق به، مثل اطلاعه على الأشياء التي تخيفنا والجوانب السلبية في حياتنا، هنا يتم تطوير الثقة، حيث تكون لدى هؤلاء الفرصة لإحباطنا أو إيذائنا، لكنهم لا يفعلون ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد