default-avatar
محمود أنس محمد

184

default-avatarمحمود أنس محمدأنس

184

عندما أقف في صفوف العزاء أبكي ليس فقط على هذا الذي وافته المنية، لكني أنظر في أعين الواقفين بجواري وأبكيهم، هؤلاء حتمًا سوف يرحلون.

في اللحظة الواحدة أجد نفسي أكثر من واحد، ولا أعرف هل أضحك أم أبكي، هل أحب أم أكره؟ غريب جدًا هذا الأمر. لا أكاد أن أتبرم وألعن الأطفال، بل الطفولة، حتى أتذكر أنني كنت يومًا مثلهم ألعب وأصرخ وأشاكس، لكن هل كنت أُلعن؟ بالطبع نعم، ولكني لا أريد أن أفعل مثل هؤلاء.

لا أعتقد بوجود جيل مثالي لا يحمل أي عيوب، ولكنه العمر يمضي ونكبر وننسى ما كنا عليه ونشكي الزمان دون ذنب منه.
الآباء دائمًا ما يعتقدون بأن حلاقة الشعر مثلًا شيء يحدد الكثير من هوية شاب لم يتجاوز الثامنة عشر من عمره، وينظرون إلى هؤلاء الذين يُطيلون شعرهم أنهم ليسوا محترمين، لكني كلما عُدت إلى صور أبي وأصدقائه أراهم يحملون نفس ذات الشعر الطويل، لكن بهيئة مختلفة قليلًا، وأزياء كما يقال إنها (على الموضة) وأقول لنفسي: هل أبي وأصدقاؤه ليسوا بالمحترمين!

أن تركل الكرة أسهل بكثير من أن تصدمك الكرة بكل قوتها في وجهك، هل فكرت يومًا ما في معاناتها، هل فكرت في معاناة المسمار، الحمار الذي يحملك وتستخدمه كإهانة. الماء أكثر دراية منا وأكثر انسيابية، فتراه يومًا اسطواني الشكل، ويومًا مكعبًا، وربما بلا شكل، يمثل جميع الأدوار بكل احتراف وقبول، لذلك ربما يستطيع أن يصغى إلينا أي شيء يحوي الماء، البحر و النهر وحتى حمامات السباحة الصغيرة، كلها تمتلك القدرة على الاستيعاب.

لسنا شخصًا واحدًا، نحن كثيرون، أنت لست إلا ممثلًا تخلق لك الدنيا أدوارً؛ فتكون أكثر من مجرد شخص تجد نفسك الطبيب وتجدك المريض، ففي الأولى ينتظرك المريض في غرفة الانتظار لساعات دون أن تشعر بمعاناته، وفي الثانية تنتظر ويصبك الملل ذاته، تكون المسافر بكل ما يحمل من ألم، وتكون المودع بكل ما يحمل من صبر، تكون الغريب يومًا فتسأل، وتكون الدال والمجيب لغريب أحيانًا، تكون العائد من الرحلة لا تشعر بالوقت، وتكوون المنتظر ويقتلك الشوق، تكون طفلًا لا يعنيك شقاء والديك، وتكون والدًا تُرهقك مطالب الأبناء.

لن تكون قدم عامل عجوز قد أرهقه العمل بقدر ما أرهقه العمر، أو عين أم سهرت خوفًا، أو كف فلاح قد شققت بفعل أرض لم تع أي شيء. فلن يشعر بالمعاناة أبدًا غير حاملها، من الممكن أن تلمس معاناته، ولكن دون أن تعيش وأنت حاملها.
لذلك أُغبط الممثلين – العباقرة منهم – على قدرتهم الفائقة في إقناع المشاهد بالأدوار التي يتقمصونها، وجعلهم يضحكون ويبكون ويتعلقون ربما بشخص ما.

التجربة ليست الشيء الذي يحمل الصدق المطلق ولا الحقيقة، لكنها تعطيك جزءًا من الواقع، فالتعاسة لا تدرك بالتجربة، والفشل لا تدركه بالتجربة، السرطان لن يُدرك معاناته أبدًا سوى من يحمله أما وأنك قد حلقت رأسك كتعبير عن المواساة فهذا نُبل منك، لكنه لن يذيقك مرارة المرض.

لا تنظر بعين ساخطة فربما تنظر إليك الآن عين ساخطة أيضًا، الأمس تتعجب من الفاعل غدًا تكون أنت الفاعل الذي كنت تستغربه، اليوم تحمل أحدهم على الأعناق وتهرول غدا تُحمَل وتُدفَن وتُنسى ويبوش دورك في الحياة أو تبوش أدوارك، فلا تتعجب يا صديقي؛ فإنها الأيام تمضي ويبدلك الزمن. لذلك قبل أن تصدر حكمك المطلق على أحدهم انتظر قليلًا ولا تفعل. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك