الادب

عمر الخيام (1123-1047) شاعر فارسي ولد في نيسابور بخراسان. بارع في تخصصات أخرى كالرياضيات والفلك والفلسفة. تكثر الأقوال في حقه في مجال السلوك والأخلاق والعقيدة. وما يدعو إليه الخيام من الإقبال على الملذات والمجون. وبين قائل أن الخيام في ندائه من أجل الحق والحقيقة تكشف أشعاره عن الميل إلى طلب الاستغفار وإعلان التوبة من الله.

شهرته فاقت حدود فارس إلى العالم الغربي في ترجمة أشعاره خصوصا الرباعيات. فاختلف العلماء في تصنيفه خصوصا في الجانب الخاص بالعقيدة الإسلامية. واتهامه من قبل أطراف بالإلحاد والزندقة. ويشهد الطرف الآخر أن الخيام مات مسلما. وكان فيلسوفا مشككا في الحقائق ولا يكتفي بالجاهز وأنه ذاق من زعاف الواقع ومرارة الدنيا ما جعله يزداد عشقا للحياة في مجون ولذة بالخمر في نشوة ابيقورية. ولذة عابرة وباقية في نسيان الهموم وأعباء الحياة وقلاقل العصر ومشاكله.

تعرضت الرباعيات للنقد بالقول أنها تحريض على المجون والزندقة ودعوة للانحلال والفسق. والحقيقة أن في كتب التاريخ لم تسجل الأقوال السلبية المغالية في القدح للشاعر عمر الخيام بل العكس أنها تنم عن ذكاء وعبقرية الرجل في الوصف والتغني. والنداء الوجودي في حالة القلق وعدم الشعور بالراحة والاستكانة. بحثا عن الذات خارج سياق الجماعة. لحظة صمت وقول في صميم الوجود الأصيل. ولحظة التعبير عن الحقيقة في مناجاة الحق وطلب الرحمة والمغفرة. في قلة الإخلاص في الطاعة لله كما يقول الخيام فالرحمة الإلهية أوسع في نيل الرضا والمحبة.

نفحات صوفية عميقة في شعر الخيام. لا يلمسها إلا من يتأمل في مرامي الفكرة النابعة من عمق الباطن. في صفاء القلب والفطرة التي تعني أن الخيام لم يكن كذلك بالأقوال السلبية التي قيلت عنه. لكن الخيام ابن بيئته. عبر عن ما يخالج الذات من إحساس وجمال بعظمة الحق. وما في الذات من أسرار إلهية في بلوغ الكمال. وما يعيشه داخل مجتمع يعاني الانقسام والتصدع. في نفاق وجشع وصراعات.

القلب قد أضناه عشق الجمال. ولا يهتدي العاشق إلا عندما يخفق القلب ويدق في صدق المشاعر وطيبوبة النفس. في ظل التوتر بين الذات والوجود تصبح الأنا في ولع شديد للبحث عن الحقيقة. أمل الإنسان في الغد كبير. وعمر الإنسان يقاس بالساعات واللحظات. لا نوم بعد اليوم. والحيرة شديدة بلغت حد التفكير بعمق في أسرار الوجود. وزيف العالم. في حيرة وقلق من الرتابة والوجود المزيف. والحيرة تولد التفكير في الحياة. يزيد الإثم وتتعاظم الخطايا. ولا سبيل إلا بالرحيل والتفكير في الموت.وقوة الحق في رحمة أوسع واشمل. فالخيام عاش لا يشرك في وحدة الله ولا أمل إلا في التوبة والعفو عن البائسين.

في الواقع اكتب هذه الكلمات وفي أدني رنين الموسيقى والكلمات وصوت أم كلثوم في براعيات الخيام التي ترجمها بدقة جمالية الشاعر المصري أحمد رامي. ترفعنا الكلمات من مستوى الواقع المزيف والوجود البسيط إلى عالم السمو في الكلمات واللغة الشعرية التي تتدفق عذوبة وجمالا. صوفية عالية في كلمات تلامس المعنى والحقيقة. في عالم يكشف فيه الخيام الإدراك ومعانقة الحق بالقلب والعشق.

عاشق للحقيقة النابعة من صفاء الرجل وسريرته في مناجاة الحق. أن يقلع الرجل عن الخطايا والحياة الرتيبة التي كان الخمر واللذة من سماتها. واللجوء إلى عالم أكثر سموا في حيرة فكرية لا يرقى إليها سوى الفلاسفة وأصحاب الذوق. صوت ونداء في السحر” بالفتحة والتشديد”. صدى النداء ينزل من الأعلى في تلبية النداء والشعور بامتلاء الوجدان. وصفاء القلب في الاندفاع نحو القول والتعبير بالكلمات والجمل المفعمة بالحكمة عن الوجود الأصيل. وحالة الاغتراب والتيه الذي يعاني منه الإنسان في عصر القلاقل والصراعات.

ويمكن القول أن نفور الخيام من الناس. ومن عالمهم المزيف من العوامل التي ساهمت في شهرته على مستوى الكتابة. حتى أن الرباعيات منعت في عصره. وبقيت موجودة ومحفوظة عند تلاميذه. وزاد من شهرته في الغرب ترجمة الشاعر فيتز جيرالد للرباعيات. والى العربية ترجمت أكثر من 15 مرة.

إعجاب الكتاب بالخيام فاقت الحدود والتوقعات دون أن يختزل الشاعر الفارسي في الزندقة والمجون بل في عمق الكلمات ودلالتها وحكمة تفيض معنى ضد عالم هيمنة الملل والنحل. أتقن اللغة العربية وهام بالشعر.وكتب من أعماقه شعرا عميقا. فمن بين الأبيات في سر الوجود والانهمام بالذات للتأمل في الغايات البعيدة وفي الحياة والموت.

سمعت صوتا هاتفا في السحر … نادى من الغيب غفاة البشر

هبوا املأوا كاس المنى … قبل أن تملأ كأس العمر كف القدر

يبقى عمر الخيام شعلة تضيء طريق السلام والمحبة في رسائل الخيام. وتأملاته في الوجود والإنسان. وفي الحياة والموت وفي الاغتراب وضياع الأمل. ينير الشاعر طريق العبور والالتقاء بين الشرق والغرب. ففي ترجمة الرباعيات دليل على حسن الإنصات للشعر الذي يلامس فيه الخيام حاجتنا للسير وفق خطى القلب والعقل. وحاجة الشرق للعلاقة المتوازنة بين بلاد فارس والعرب.

فالخيام وليد عصره. شعوره بالغربة في بيئته ونزعة التشاؤم ومقاومة الحياة بالانصراف نحو اللهو نوع من الهروب من الأوضاع السائدة. ومشاهدته للدسائس والتعصب المذهبي. فجاءت أشعاره انعكاس للبيئة وتأملات في الحياة وغايات الإنسان في العيش. وانعكس هذا الفكر على الشعر. ليعبر الخيام عن الوجود الأصيل.

الروائي والأديب اللبناني أمين معلوف في عمله «سمرقند» ينقلنا إلى عالم الشرق. من مدينة الخيام وفي أمكنة وأزمنة مختلفة يعثر على حل للمشاكل العالقة بين الشرق والغرب. وبين الشرق ذاته في الهويات القاتلة والمدمرة للتعايش وحسن الجوار. ويستلهم في الحل شخصية عمر الخيام وأفكاره. في عملية الدمج للهوية المشتركة. في نقطة متصلة للاتقاء بين الروح الشرقية وما في الشرق من روحانية. والغرب في العقلية المادية. وفي سرديات أمين معلوف بحث عن الخيوط الناظمة في عملية التثاقف بين الشرق والغرب وتفكيك الهويات القاتلة في مجتمعات منقسمة ومتشظية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد