العلمانيّة

تحت جنح الظلام يتهامسون، ويتغامزون، ويتناغمون في الحديث عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، يظنون أنّ الليل ما زال يواريهم، ويستر عوراتهم، ويُرخم أصواتهم لتصبح ألحانًا ترقص عليها النفس اللاإنسانيّة!

ومن الضروري (بالمكان والزمان) أنّ نتكلم عن الذين يبرزون في عصر الثورات أو حركات التحرير، فيبدأون بأخذ المقاييس والتفصيل عليها، وذلك بِعَنونَةِ الحقوق والواجبات، وتقرير الحالة الإنسانية العربية عمومًا والسورية خصوصًا، والأكثر من هذا كله هو رسم شكل الدولة ونظام الحكم فيها وفق تصوراتهم!

ومن المخجل أنه صار الكثيرُ من عالمنا متوشّحًا بالنفاق، ومرتديًا أثوابًا تختلط فيها الشهوة والفضيلة، حتى يبرر لسلسلةٍ لا تنتهي من الأوهام، والمحصلة هي: تراكم الآثام والآلام على أكتاف الشعوب، فكان التضليلُ الإعلامي عند البعض، هو أكبر سلاح لدحض الحقيقة، ولتشويه كل المسارات التي توصل إلى درب الخلاص والنصر.

إنّ ما حصل في العالم العربي مؤخرًا ليس بالأمر السهل ولا العابر، لهذا يجدر بنا الإيضاحُ وتبيانُ الحقائق كي نحدد مواقفنا، وطرائق الوقوف عند خصوماتنا وخطوطنا الحمراء بدقة، على ألا نقبل أيّة زعزعةٍ لأصلِ الإسلام: لأنّ الإسلام هو دينٌ وتشريعات وقوانين، فكيف تتغافل أو تتجرأ تلك الأصوات على تزييف الحقيقة؟!

إذن مازالت معركة الحق والباطل مستمرة، لأنّ الحق حاجة إنسانية ومطلب عام للجميع، فلا أحد من الناس يرضى بفعل القتل والجور وممارسة الاستبداد عليه، ولهذا جاءت ثورات الشعوب العربية، لتطالب بالحرية والكرامة الإنسانية من تلك الأنظمة الطاغية التي تتبنى «الفكر العلماني» المستورد من الغرب، كما أنّ جوهر المشكلة يَكمن في تبعات وتداعيات هذا الفكر، الذي يرسم معالم الطريق لأنظمة الحكم العربي، بما لا يتوافق مع كافة الفرق والأطياف العديدة من الشرائح العربية والإسلاميّة!

وبموجب هذا الفكر (التعسفي، والابتزازي، والانتفاعي) صِيغَتْ الهويّة المشوّهة! وهذا ما شَهِدناه في موجات الربيع العربي، من كثرة انتشار الأيديولوجيات رغم تباين الأصوات المطالبة بتحقيق رؤيتها، فتارةً من وراء الحُجب، وتارةً أخرى بقلم وإلقاءٍ، وبما أنّه قيل: وإنّ من البيان لسحرا، فيخشى منهم على العقول! فبريق الثقافة والنّضال توأَمٌ ساحر.

رسالة إلى أصحاب المرجعيّة «العَلمانيّة»

لقد جلبت العَلمانيّة إلى أوروبا أنواعًَا من الخير، وذاق الأوروبيون بفضل الثورة الفرنسية، طعم الحرية والانعتاق منذ تفوّقِها وانتصارها على الكنيسة والإمبراطورية، إذ قامت ثورة فرنسا 1789 ضدّ الاستبداد والظلم والتّخلف العلمي، وإنّ ثنائية الثورة الفرنسية وفجر التنوير لا انفصام بينهما، فالعَلمانيّة اصطلاحًا: هي حركة ثورية ضد حكم البابا والملك، وقد أسست (تيارًا) فلسفيًّا اجتماعيًّا وسياسيًا، كما تدعو العلمانية إلى فصل الدين عن الدولة، بمعنى إقصاء الدين عن الحكم.

آراء عن المرجعية العلمانية

في إحدى المقابلات التلفزيونية -لقناة الجزيرة- مع المفكر العربي «عزمي بشارة»، يسألونه عن «العَلمانيّة» فيرد قائلًا: «العلمانية تعتمد على التفسيرات الأقرب إلى العلمية للظواهر الطبيعية والبيئية والصحيّة، والأخيرة بمعنى أنّها تُعنى بصحة جسد الإنسان، أي تذهب إلى الطبيب وليس إلى العرّاف، كذلك البيئة وغيرها، وهذا طبعًا لا علاقة له بالتدين، وهذا الموقف لا يقول إنّ الدين خطأ، والحديث هنا أيضًا ليس عن الإلحاد إطلاقًا، فمجال الدين يصبح مجال الإيمان بكل أنماط الإيمان، وهذه الأنماط هي جوهر العملية الدينيّة (الإيمان المعرفي، الإيمان العرفاني، والانتماء لجماعة تاريخية تؤمن بعقيدة) وما يقوله «العلماني» في الحقيقة: أنّ الدين يصبح أقرب إلى جوهره الحقيقي -أقرب إلى الإيمان- وإلى الحسم الإيماني، والتّحكم بمسلك الإنسان وأخلاقه».

وفي المقابل كان لأستاذ الفقه الإسلامي «د. محمد نور حمدان» رأي مختلف عن رأي المفكر بشارة، فقال د. حمدان: «من الطبيعي ظهور العلمانية في الغرب، لأن في العصور الوسطى كانت أوروبا تعاني من إشكاليات كبيرة، وذلك بسبب تحالف الكنيسة مع الملوك، مما أدى إلى قيام الثورة الفرنسية ضد سلطة الاستبداد الدينية، أمّا بالنسبة لاستيراد فكرة «الدولة العلمانيّة» ووضعها في قالب لمجتمع هو أصلًا لا توجد فيه إشكاليات، ولم يمر بمشاكل كما مر الغرب في العصور الوسطى، فالإسلام يعارض فصل الدين عن الدولة، لأنّه لم يأتِ لينحصر في المساجد ولتنظيم عبادات وشعائر النّاس فقط ، وإنّما جاء من أجل تنظيم: (حياة الناس ومعاملاتهم، نظام الحكم والوزارات وتنظيم السلطات..) وتحدثت الآيات القرآنية عن (السياسة، القضاء، المعاملات، القوانين المدنيّة، الجزائية وقوانين العقوبات) هذه الدلالات والمعاني كلها متضمنة في الإسلام، وأمّا بخصوص مصطلح «الدولة المدنيّة» فهو مصطلح معاصر، فالدولة المدنيّة: ليست دولة ملكية ولا عسكرية ولا دينيّة، لأن الدولة الدينيّة تحكم باسم الإله، والحاكم معصوم من الخطأ، ويعتبر نصه نصًا إلهيًا! وهذا على النقيض من الدولة المدنيّة، التي تعتمد الشورى والمساواة كمبادئ أساسية في نظام الحكم الإسلامي، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤكد المعنى (لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، فالحاكم في الدولة المدنية منتخب من قِبل الأمة، وهو وكيل عن الأمة، ومسؤول أمامها، ويحق للأمة أن تعزله أو تحاسبه، أي يقف أمام القانون إذا أخطأ، إذًا الدولة المدنيّة هي: «الدولة الشوريّة» وفي قوله تعالى: (وشاورهم في الأمر) (وأمرهم شورى بينهم)».

وفي نهاية موضوعنا نذكر شهادة صادرة عن المستشار الإعلامي السوري للمجلس والائتلاف وهيئة التفاوض سابقًا، الأستاذ أحمد كامل يقول: «كل وثائق قوى الشعب السوري الصادرة عن: المجلس الوطني 2011، القاهرة 2012، الائتلاف 2012، جنيف 2011 وما بعدها، فيينا 2016، قرار الأمم المتحدة حول سوريا 2016، الرياض رقم 1 في 2015، بما فيها وثائق الأحزاب، ونصف الأحزاب وربع الأحزاب، وشبه الأحزاب.. كلها تطالب بدولة ديمقراطية حرة مدنية».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد