الحقيقة ليست فقط الفتاة العارية التي نراها في الصورة الشهيرة لجان ليون جيروم التي سرق الكذب ثوبها وتركها، ففهم الحقيقة تنوع عند الفلاسفة، واختلفوا في تفسيرها، والمتصوفة لم يجتمعوا على تعريفها في عرفانهم الوجداني، وحتى علماء الدين اختلفوا في فهمها بين ظاهريتها في النص وآليات الجدل والبيان للوصول إليها.

الحقيقة أخذت صورًا وأشكال ومعاني مختلفة في كل زمن وعند كل فئة فالحقيقة بتعتمد على العقل عند ديكارت أو حسية مع التجربيين لتنقلب برجماتية عند البعض، ثم تعود فطرية ومكتسبة عند البعض الآخر، تتأرجح في العلوم بين يقينية قوانين نيوتن أو نسبية أينشتاين أو منعدمه مع فيلسوف النفي نيتشه.

دعونا نبدأ إذًا بمفهوم الحقيقة عند اليونايين القدامي، عندما كان الإنسان ينشد الحقيقة من أجل الحقيقة ذاتها، وهذا يعني أن تكون الحقيقة منزهة عن كل مصلحة أو منفعة كونية، غير مقيدة بشروط الواقع. بهذا المعنى نفهم تعريف فيتاغورس للفلسفة بأنها محبة الحكمة لذاتها، ثم جاء أفلاطون كي يمييز بين عالم المحسوسات وعالم المثل.

عالم المحسوسات عالم مادي محسوس متغير زائف وناقص كأن كل ما فيه ظلال وأشباح لموجودات عالم المثل والعالم الآخر هو عالم ثابت كامل توجد فيه النماذج العُليا لكل الموجودات والمعرفة الحق في نظر أفلاطون أن تعلم عالم المثل في صورته المطلقة بواسطة الجدل الصاعد الذي بدونه من الصعب التخلص من عالم أوهام المعرفة الحسية وهو تفسير ليس بغريب على بعض الصوفية حينما يفسروا قول الله تعالي: «أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا» الفرقان 45.

فبعضهم يفسر تلك الآيات على أننا ظلال الحقيقة نعيش في ظلها في عالم الأشباح، ونستمد حقيقتنا من مصدر واحد كأنك تشاهد التلفاز مثلًا، فأنت تشاهد مجموعة من الصور المتحركة لأشخاص من زوايا معينة تمثل الأشخاص الحقيقيين، لكنهم ما هم إلا صورًا متحركة في اللحظة التي تراهم فيها فهم انعكاسًا للحقيقة، وليسوا الحقيقة نفسها.

ولذلك فعندما أتى أرسطو اختلف مع أستاذه أفلاطون وقال: «كل شيء في العالم صورة وجوهر»، وصعب ندرك جوهر الشيء من غير معرفة صورته من خلال الحس (الحواس مثلًا)، لكن اشترط في نفس الحين تجاوز الحواس حتى نصل للحقيقة كاملة، وحتى الآن الحقيقة تمثل نفسها عند من سبق بشكل غير مادي يتجاوز الحواس بشكل أو بآخر.

ولكن ماذا عن التجريبين الذين يمثلون توجهًا فلسفيًا يؤمن بأن كامل المعرفة الإنسانية تأتي بشكل رئيس عن طريق الحواس والخبرة؟

تنكر التجريبية وجود أية أفكار فطرية عند الإنسان أو أي معرفة سابقة للخبرة العملية، فيؤمن جون لوك مثلًا وهو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي بفرضية أن العقل البشري عبارة عن صفحة بيضاء (قرص فارغ) تُكتَب علىها التجارب المستمدة من الانطباعات الحسية خلال حياة الإنسان، ومعيار الصدق في الحقيقة يٌمثل تطابق الفكر مع ذاته ومع الواقع، كأنك تقول: إن كل البشر فانون؛ لأن حواسنا ترى بالفعل أن البشر يموتون، ولم نسمع بأن هناك بشرًا خالدين لا يموتون، واعترض الكثير على هذا الكلام؛ لأن هناك حقائق مطلقة يمكن إدراكها ببداهة العقل كمثال أن الجزء أصغر من الكل.

فديكارت شكك بالحواس لفهم الحقيقة، ورأى أن مبدأ الشك في كل شيء، حتى الموروثات المعرفية والحواس هو السبيل للحقيقة، والطريق لذلك يبدأ من العقل لأن العقل بالنسبة لديكارت هو مصنع بناء الحقيقة، بمعنى عدم التسليم ببديهيات الحواس؛ لأنها من الممكن أن تخدعنا لو اعتمدنا علىها بشكل مباشر، وإذا كان العقل هو المسؤول عن فهم الحقيقة وحده فيجب علينا إذًا أن ننتقل للحقيقة في المنطق؛ لأن المنطق يهتم بأنماط فكرية موجودة في العقل، وبالتالي يساعدنا في تحديد صحة أي اقتراح عقلي عن طريق الترابط المنطقي، فالحقائق المطلقة هي حقائق منطقية (مثال: ألف ليست باء)، ويمكن معرفة تلك الحقائق بمعرفة البداهات والربط بينها، ولكن تكمن المشكلة هنا في عدة أشياء، أولها الصواب المنطقي يعبر عن عبارة صحيحة في جميع العوالم الممكنة وفي ظل جميع التفسيرات الممكنة وتلك معضلة كبيرة لأن العالم المنطقي بعيد بشكل كبير عن العالم المادي، كل معادالات الفيزياء مثلًا يتم تغييرها واكتشاف خطئها، ولا يمكن تمثليها بذلك المنطق البديهي السهل (ألف ليست باء) فهيا أصعب من ذلك بكثير وحتى إن تم الربط بينها وبين الحياة المادية، تأتي مشكلة أخرى تحدث عنها هيوم، وهي كيف لك أن تتأكد من صدق البداهات نفسها؟

وقد وصفها هيوم بقوله لا دليل على البداهة لأنها ناتجة من استقراء ناقص، فربما ليس كل ما في الحياة يخضع للمنطق أو للسببية، والصعوبة الأكبر أن الحقيقة المنطقية مؤقتة حتى لو افترضنا بقربها من الواقع الفيزيائي، كأن الحقيقة مكان والمنطق الخريطة المستخدمة للوصول لذلك المكان، ولذلك يمكن أن يكون المنطق العقلي أداة مهمتها أن يتأكد من تسلسل منطقي للعبارت والرموز الافتراضية كي نصل لنتيجة ما، لكنه غير قادر أو معني بالتأكيد على حقيقة النتيجة أو الافتراض، المنطق مهتم أكثر بصلاحية العبارات وآليات الوصول لنتيجة وإن كنت أرهقتك عقليًا بذلك فدعني أقل لك هناك اختلاف أصيل في تلك المسألة بالفعل وقائم بين فلاسفة وعلماء لذلك دعنا نهرع من هنا، ولنتحدث عن الحقيقة في السلطة، وخير من يعبر عنها هو ميشيل فوكو الفيلسوف الفرنسي، وهو يعتبر من أهم فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين، تأثر بالبنيويين ودرس وحلل تاريخ الجنون في كتابه «تاريخ الجنون» ويؤكد ميشيل فوكو أن الحقيقة لا توجد خارج السلطة، بل إنها ذاتها هي السلطة لأنها نتيجة إكراهات متعددة.

فالسياسة العامة للحقيقة تفرض أن يٌحدد المجتمع نوع (أو أنواع) الخطابات التي يعتبرها حقيقة. فالحقيقة في المجتمعات المعاصرة – مثلًا – تنحصر في الخطاب العلمي.. ومن هذا المنطلق ينتج المجتمع ويحدد الأشخاص والآليات والهيئات التي تٌسند إليها مهمة الاهتمام بالحقيقة. وهذا ما يفيد أن الطابع المؤسساتي هو الذي أصبح يطغى اليوم على مفهوم الحقيقة؛ لأن الحقيقة نابعة من مؤسسات وتروجها وتحميها مؤسسات لذلك قال Bachelard: وهو فيلسوف فرنسي مهتم بفلسفة العلوم: «تاريخ العلم هو تاريخ أخطاء العلم».

ثم نأتي أخيرًا للحقيقة في الإسلام، وأعتقد أن ابن رشد خير من تحدث عنها فهو يرى أن الحقيقة الدينية واحدة، إلا أنها تتمظهر في صور متعددة نظرًا لاختلاف طبائع الناس وتباين فطرهم في التصديق: فهناك من يصدق بالقياس الخطابي، وهناك من يصدق بالقياس الجدلي، وأخيرًا هناك من يصدق بالبرهان. ولمّا كانت الحقيقة الدينية استهدفت كافة الناس فإنها استعملت أشكالًا ثلاثة من القياس. وهذا لا يفيد تعدد الحقائق؛ لأن ذلك يعني فقط تعدد أشكال الخطاب التي يمكن أن تعبر عن نفس الحقيقة. وهذا يفترض أن تتمظهر الحقيقة في صورة الخطاب الذي يؤسسها، ومن ثم يدافع كل واحد على خطابه باعتباره الحقيقة المطلقة.

وفي النهاية علىنا أن نتذكر أننا نعيش على جزيرة المعرفة وسط ظلام المجهول، فالحقيقة صعبة التصديق، وصعبة المنال، وكل ما نعرفه عنها إننا لا نعرف شيئًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد