ارتفع صوت صرير المروحة في السقف وارتفع معه صوت الشيخ «كل نفس ذائقة الموت»، توقف الزمن بداخلي للحظات عن كل شيء سوى هذه العبارة، وصرير المروحة، تُرى كيف هو مذاقه؟! أخذت أتجول بعيني بين الحاضرين على اختلافهم، وأفكر: كل هؤلاء سيتذوقونه!

أنا سأتذوقه! من يردد الآية الآن حتما سيتذوقه! كرر الشيخ الآية «كل نفس ذائقة الموت» وكأنني أُصاب بالصمم بعد هذه الكلمات حتى أنني لا أستطيع التركيز فيما يليها.

أتذكر كل كلمة سمعتها عن الموت، أحدهم أخبرني حديثا أنه «حاجة حلوة» ولكن مُرها يكمن في ألم الفراق، تساءلت في نفسي أيهما أَمَر مذاق الموت أم مذاق الفراق! أتذكر كل الأوصاف التي أوردها الناس عن الموت، أحدهم أخبرني عن الموت حيا، أن تحيا جسدا خاويا من أي نبض للحياة، بلا إحساس، بلا شغف.

أحدهم أخبرني أن الموت أن تحيا بلا أحبائك، أحدهم أخبرني أن الموت أن تحيا وحيدا، أحدهم اخبرني أن الموت أن تحيا عاجزا عن إنقاذ أقرب شخص لك من الموت وتراقبه يرحل عنك في صمت وألم، أحدهم أخبرني أن الموت هو ما يعانيه عندما تغتاله نوبات الهلع، أحدهم أخبرني أنه يتمناه ويرى فيه الخلاص من بؤس حياته. حتى أنا لن يختلف وصفي له عنهم كثيرا. جميعهم أخبروني كيف أموت حيا، ولكن لا أعتقد أن أحدهم كان يفكر حينها بذاك المذاق «كل نفس ذائقة الموت».

ارتفع صرير المروحة أكثر، وأصبحت الرؤية ضبابية في عيني، تسارعت دقات قلبي وازداد اضطرابه، وتهدجت أنفاسي حتى ظننت أنني سأعرف مذاقه الآن! تُرى لو كان مذاقه مشابها لأي شيء مررنا عليه، هل كان ليكون هناك اختلافا في حياتنا؟

الموت هو أكثر حقائق الحياة وضوحا لنا، والتي نعجز عن إنكارها أو نسيانها ولكننا نغفلها، الموت يا عزيزتي هو ذاك الذي تذكرينه، وتتساءلين عنه وعن مذاقه، حتى أخذتك تساؤلاتك إلى عالم بعيد وأنتِ بين الحاضرين، ولكنك ستستيقظين صباحا متسائلة عن أشياءٍ سواه، حتى أنك لربما تستيقظين متسائلة عن لون الفستان الذي سترتدينه في مناسبة قادمة بعد شهر.

الموت يا عزيزتي هو ذاك المسافر الذي تغفلين عن عودته رغم أنك مُطالبةً بانتظاره دائما، أأُخبرك بعد أم أنّ رغبتك في معرفة الإجابة قد تضاءلت، أأخبرك المزيد أم أنكِ تريدين السكون والاستماع للآيات وتدبرها ثم المضي قدما في حياتك.

هو سؤال سوف تشقي بحثا عن إجابة له لا هي بالمعروفة، ولا بالمجدية معرفتها – إن افترضنا أن له إجابة – قبل أوانها، توقفي عن البحث عن الإجابة، ولا تتوقفي عن السعي ما دُمتِ حية حتى إذا أتاكِ من تتساءلين عنه خفت مرارته عليك، وكان هو الخلاص حقا من كل أوجاعك الفانية.

من تتساءلين عنه هو بوابة الخلود لا يهم مذاقه بقدر ما يهم ما يليه، هكذا حدثتني نفسي، حتى عرفت أنهّ حتى النفْس تكون مختلفة عند ذكر الموت، ليتها تحدثني بذلك عندما أغادر وينتهي الشيخ، ليتها! ليتها تتذكر أنها من ستذوقه وأنا معها، مهلا ألسنا واحدا أنا وهي!

توقف تدافع الأفكار بداخلي عند هذا الحد ولم أعد أدري هل كانت تساؤلات أم هذيان أم وساوس، تُرى هل يكون الشيطان مختلفا عند ذكر الموت!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد