بات مصطلح «السياسة» يُعرف على مستوى الأفراد والجماعات والأحزاب أو حتى على مستوى الشعوب والدول، على أنه دربٌ من دروب «الفضيلة الممتنعة»، أو إن شئت فقل «الرذيلة المشروعة»، كما لا يخفى على جميعنا كيف أن المصريين قد حسموا هذا الأمر ولخصوا مفهوم «السياسة» لغة واصطلاحًا إلى جملةٍ أوجز ما يكون من الإيجاز البلاغي «السياسة نجاسة»، وهي جملة تكتفي فقط بإسناد مفهوم النجاسة بكل ما يحويه من رذائل ونقائص إلى «السياسة».

فتعالوا معًا لنفند هذه الظاهرة ونسبر أغوارها ونتحقق من مفاهيمها لنضع الأمور في نِصابِها الصحيح.

ولمعرفة حقيقة الشيء لابد من معرفة أصله وجذوره، لذلك يتحتم علينا تعريف مفهوم «السياسة» لغة واصطلاحًا.
أما السياسة في اللغة فهي مأخوذة من الفعل ساسَ يسوسُ ومنها مسايسة وتسييس ومُسيس وهي على وزن فِعالة، وفي مفهومها الاصطلاحي العام تُعرف السياسة على أنها العلم الذي يقوم بدراسة المجتمعات البشريّة أو الإنسانيّة وكيفية إدارتها.

– إذن فمن التعريفَين السابقين، اللغوي والاصطلاحي، من أين جاءنا هذا المفهوم الخاطئ الدخيل على مفهوم السياسة؟

ببساطة شديدة يا سادة، إنها طريقة طرح المفهوم وكيفية تطبيقه على أرض الواقع من قِبَـل الداعين إليها والقائمين بأعمالها. فعلى مستوى النظام المؤسسي –الحكومي أو الخاص- الذي ينظم العلاقة البشرية بين الرؤساء والمرؤوسين اختلفت السياسة كليًا وجزئيًا في تطبيقها الواقعي عن واقعها النظري، حتى تحول مفهومها النظري من أنها مجرد إدارة تلك الأنظمة المؤسسية إلى كونها نظرية ميكافيلية يجوز فيها استخدام أي وسيلة دون النظر إلى ماهيتها الأخلاقية، للوصول إلى غايةٍ ظاهرها فيه الإدارة والحفاظ على النظام العام، وباطنها فيه الحفاظ على الصدارة الزائفة والألقاب الوهمية، التي تُمكِّن لصاحبها من استغلال من هم دونه، واستخدام نفوذه عليهم في صورةٍ من صور إشباع غروره الذاتي، بحجة الحفاظ على النظام.

ولتيسير الفهم على القارئ، سأضرب مثالاً بسيطًا على «الدعاية والإعلان»

هذه الظاهرة باتت لا بد منها في وقتنا الحالي، للتعرف على أي منتج جديدة، فلا بد لها من دعاية مستمرة ومنتظمة في الأسواق للتعريف بماهية هذا المنتج، لكن الدعاية أصبحت في أيامنا هذه معروفة بالدياثة المقننة، لتروج سلعتك بأسرع وقت، ما عليك إلا اختيار فتيات فاتنات تحسن ترويج مفاتنها – بضاعتها- الخاصة دون الحاجة لشخص يتقن الدعاية بأساليبها العلمية الأخلاقية، اللهم إلا ما رحم ربي، وهنا تحولت الدعاية من كونها وسيلة فاضلة للتعريف بالأشياء إلى كونها وسيلة لاستباحة التعري وتسييس مصطلح الدياثة وشرعنتها، وهلم جرا.

كذلك الأمر في سياسة الحكومات مع شعوبها والشعوب مع حكوماتها.

إن السياسة التي تضمن إدارة العلاقة بين الحاكم والمحكوم لم تلقَ لها مكانًا في مجتمعاتنا العربية منذ زمنٍ بعيد، منذ أن تخلى السياسيون عن أسس ومبادئ السياسة واعتنقوا بدلاً منها المبادئ الميكافيلية. فالحكومات باتت تسرق قوت شعوبها بدعوى أن الشعوب التي تأكل كثيرًا تنتج قليلاً، وتسرق إنتاجها بدعوى أن الشعوب المترفة لم تحصل على ترفها إلا بعد تكبد عناء الحرمان، وتروض مثقفيها بدعوى أن تكبد عناء الحرمان هي أم الثقافات وأفضلها على الإطلاق، وتنفي علماءها بدعوى تبادل العلوم مع الدول الأخرى، وتنحي مبادئ دينها بدعوى أن الدين أسمى من أن يُزج به في مثل تلك الأمور، وتتهم المتمسكين بمبادئ دينهم بالتزمت والتطرف وتبيدهم بدعوى الإرهاب الفكري، وترهب بأساليبها القمعية كل من سولت له نفسه أن يحاول تغيير تلك المفاهيم أو يدعو لإعادة النظر فيها، وتسن القوانين القمعية ثم تعرضها على شعوبها ليقروها على أنفسهم وإن عارض أحدهم فمصيره السجن أو القتل، وتُشرعن الديكتاتورية بدعوى الطوارئ، فتلكم الوسائل الرخيصة برروا بها لغاياتهم الدنيئة في حقيقتها.

حتى الشعوب لم تسلم أيضًا من تزييف السياسة وتحوير مفاهيمها؛ فقد دعوا إلى التحرر من كل المبادئ والأخلاق التي من شأنها أن تعزز من مفاهيم السياسة بدعوى الحرية، حتى استُبيحت المحرمات وانتشر الفحش والتعري واختلاط الأنساب بدعوى حرية الأفراد، والأديان تُزدرى علنًا وجهرًا بدعوى حرية الاعتقاد، وبدعوى الديمقراطية وأحقية كل مواطن في اختيار حاكم يناسب أفكاره دعوا إلى حكام مخبولين مثلهم لا يهتمون إلا بتلك التفاهات التي يدعون لها ليقننوها ويشرعنوها.

والحقيقة أن كل تلك الدعاوى قد تكون صحيحة ظاهريًا، ولكنها اجتُثتْ من مواضعها الأصلية، ووُضِعت في غير موضعها لتحسين فرص الاستغلال. حتى أصبحت السياسة تعني في مفهومها كيفية «استغلال» الموارد البشرية بدلاً من «إدارة»، فظل الكذب والخداع من أهم عواملها الأساسية وثوابتها البنائية – وهما أنجس الرذائل- حتى أصبح الصدق السياسي «جريمة كبرى»، فبعدما ألِفَتْ الحكومات الكذب على شعوبها وأتقنت خداعها، وألِفَتْ الشعوب خداع بعضهم بعضًا واعتادوا خدع حكامهم وحيَلهم الساقطة، باتوا لا يصدقون أي من يصدقهم القول والنوايا، حتى وإن كان قوله أليمًا «و لنا في مصرَ الآن عبرة»، فبعدما اعتاد الشعب المصري كذب الحكومات قرابة قرن من الزمان وعندما جاءهم من يَصْدُقهم قوله انقلبوا على صدقه بدعوى خبث نواياه، ثم ما لبثوا أن علموا أخطاءهم، وأن الواقع المؤلم خير من الوعود بجناتٍ زائفة، ثم ما لبثت الحكومات أيضًا أن فطنت لذلك، وأيقنت أن الصدق أقصر الطرق وأيسرها سُبُلاً للتمكين. فأبدلت دعايتها من وعود براقة بالنعيم المقيم على الأرض إلى دعاية تقشفية، فصار أكثر ألفاظ دعايتها رواجًا وانتشارًا «مفيش، معنديش، أجيب لكم منين» حتى صدقها الشعب وآمن بها أيما إيمان، واتخذت تلك الحكومات من صدقها ذريعة ووسيلة تبرر بها لكل فشل وخيم وتذب به عن نفسها إذا ما اتُّهمتْ بالتقصير أو التقاعس عن أداء واجبها، أو حتى التورط في كل جريمة من شأنها أن تحطّ من قدر تلك العوامل البشرية. ومن هنا تغيرت كل مفاهيم السياسة وانقلبت رأسًا على عقب؛ فأصبح السياسيون هم أشد الناس كذبًا والصادقون منهم صاروا أكثر الناس جُرمًا.

فمتى تعود السياسة إلى مفاهيمها السامية دون خداعٍ مخزٍ وصدقٍ مجرمٍ؟!

الثلاثاء 21 رجب 1438 – 18 أبريل/ نيسان 2017

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

السياسة و جرائمها
عرض التعليقات
تحميل المزيد