لطالما سمعنا عن (مفارقة الكذاب)، وإن هذه المفارقة تعد من المفارقات المنطقية التى يصعب حلها، أو التوصل فيها إلى نتيجة محددة، إذا لم يكن مستحيلا، ولكني هنا، أحاول أن أجد حلا لهذه المفارقة علنا أخيرا نقف على حل لها، أو على الأقل، نكون قد أضأنا أضواء جديدة عليها، قد تساعد وتحث آخرين على إعادة النظر في هذه (المفارقة).

1- مفارقة الكذاب فى الحياة اليومية

إذا قال لنا شخص ما في مرة أنه يكذب، فنحن على الأرجح نصدقه على الفور، دون أن نشعر أن في الجملة التي قالها غموض ما أو التباس، للآن انطباعنا الأول يكون أنه صادق في كون أنه يكذب، ولا نرى في ذلك تناقضا أو مفارقة من أي نوع، وعلى الرغم من أن الانطباع الأولي لا يكون صحيحا أو صائبا دائما، ولكني أظن أن انطباعنا الأولي في هذه الحالة صحيح، فنحن لا نفكر مثلا في ما إذا كان (كاذبا في كونه كاذبا) فيكون إذن صادقا!

ولكننا نعتبره (صادقا فى كونه كاذبا) إذن فيكون كاذبا!

ولكن لماذا نحن نذهب إلى الخيار الثاني من الوهلة الأولى دون تفكير تقريبا، فنعتبر محدثنا كاذبا، ولا نعتبره صادقا؟!

أعتقد هذا بسبب أننا معتادون على فهم الجمل على أنها تسير في اتجاه واحد، ولا ترتد على نفسها، ولأن هناك ادعاء ضمنيًا بالصدق عند بداية الجملة، يؤكد ما يليه فيها، مثال ذلك:

إذا قلنا بالإنجليزية للتوضيح:  I say the truth

فان هناك ادعاء ضمنيا بالصدق على كونى اقول الحقيقة، وهذا الادعاء يسير في اتجاه واحد إلى الأمام، ولا يرتد على نفسه، فمثلا: I do say the truth

هنا قد ظهر الادعاء الضمني بالصدق في كلمة: do

وهذا الادعاء بالصدق يسير في اتجاه واحد؛ ليؤكد إنني (أقول الحقيقة)، ويمكن أن يكون أيضا هكذا:

I do Not say the truth

وهنا أنا أؤكد بشكل مباشر وفي اتجاه واحد إلى الأمام، إنني لا أقول الحقيقة، فحينها أكون صادقا في كوني كاذبا، أو إنني أدعي الصدق الخاص بكذبي أو أدعي أن كذبي صادقا، وعليه، فيكون كذبي صادقا بالفعل، أو كذبي حقيقيا، أي عندما أقول إني أكذب، فإني – إذا كنا نتعامل مع الجملة فقط – سأكون حينها أكذب بالفعل.

مثال آخر: I do say the truth about the cat

فإنى هنا أؤكد أننى أقول الحقيقة عن القطة،أو أدعي صدق قولي الحقيقة عن القطة، إذن أكون صادقا في كوني أقول الحقيقة عن القطة.

بالمثل: I do Not say the truth about the cat

فحينها أكون أؤكد مباشرة وبشكل واضح ادعائى أني لا أقول الحقيقة عن القطة، فأكون في هذه الحالة صادقا في كوني لا أقول الحقيقة عن القطة، فتكون النتيجة أني كاذب بشأن القطة، وأني أقر بحقيقة كذبي أو بصدق كذبي بشأن القطة.

مثال آخر: عندما يقول شخص ما للآخر (قد كذبت عليك)، فيفهم الآخر تلقائيا أن محادثة قد كذب عليه في الماضي، ولكنه لا يشك في صدقه في الحاضر، ولا يعتبر كذبه في الماضي يعني كذبه في الحاضر، أو أن ذلك الكذب في الماضي يضعف من مصداقية الاعتراف بذلك الكذب في الحاضر.

وبالمثل، فإن التاكيد في بداية الجملة، أو ذلك الاعادة بالصدق، ضمنيا كان أو مباشرا وواضحا، لا يؤثر عليه الكذب الذى يليه في الجملة، بل إن ذلك الادعاء بالصدق، هو الذى يسير في اتجاه واحد من بداية الجملة ويتجه إلى ما يليه، وهو الذي يقر صدق أو كذب ما يليه، فيقر بصدقه إذا لم تله أداة نفي، ويقر بعدم صدقه أو بكذبه إذا تلته أداة نفي بغض النظر عن ما إذا تلت التأكيد وأداة النفي أو عدمها، كلمة الصدق أو الكذب.

2- مفارقة الكذاب في الرياضيات

قد يقول أحدهم: إن مفارقة الكذاب هذه تنطوي على تناقض ما، هو ما يجعلها مفارقة، ومعضلة غير قابلة للحل، فالأجدر بنا إذن أن نتجاهلها ولا نتوقف عندها كثيرا.

وقد يكون هذا الرأي به قدر من الوجاهة، ولكني أظن لو أننا نظرنا من زاوية أخرى إلى هذه المفارقة، سوف نراها بشكل مختلف، وقد نجد لها حلا فى غاية البساطة أيضا!

ومثال ذلك أننا درسنا في الرياضيات أن العدد المصاحب لعلامة السلب عندما يضرب في عدد غير مصاحب لها، أي مصاحب لعلامة الإيجاب بشكل ضمني، حينها تكون النتيجة من ضرب هذين العددين تصاحبها علامة السلب، بالرغم من اختلاف العددين وقيمتهما.

فإذا حاولنا تطبيق نفس الفكرة، ولكن باستبدال الإيجاب بالإثبات أو ادعاء الصدق والسلب بالنفي أو ادعاء الكذب. فإذا قلنا مثلا بلغة الرياضيات إن

(*) علامة الضرب:

+1*-1=-1

-1*+1=-1

-1*-1=+1

+1*+1=+1

فنجد أن نفس القواعد تتشابه تماما إذا قلنا:

إثبات النفي ينتج نفيا

نفي الإثبات ينتج نفيا

نفي النفي ينتج إثباتا

إثبات الإثبات ينتج إثباتا

فإذا اعتبرنا أن ادعاء الكذب يسبقه ادعاء ضمني بالصدق، أو موجب مضروب في سالب، أو إثبات لنفي، حينها تكون النتيجة بالسلب، أو بالنفي أو بالكذب، وتأكيدا للكذب.

لست متأكدا إذا ما كانت قواعد الرياضيات التى استخدمناها هنا يمكن أن تكون حجة وبرهانا أم لا، ولكني فكرت في محاولة النظر إلى هذه المفارقة من زاوية جديدة، علها تساعدنا على الوصول إلى شيء ما.

وأخيرا:

أتمنى ان تكون هذه المحاولة قد نجحت إلى حد ما في حل أو التوصل إلى إجابة مقنعة عن مفارقة الكذاب الشهيرة، أو على الأقل فإني اتمنى كما أشرت في المقدمة أن تكون هذه المحاولة باعثا ودافعا للبحث والتفكير، وأن تكون مثالا على محاولة الإنسان في التغلب على الصعوبات التي تواجهه، والإيمان بقدرات الإنسان، وعلى مثابرة الإنسان على الاكتشاف ورغبته في الفهم، وعدم الاستسلام أمام الأمور العويصة، والبحث دائما عن حل للمشكلات، حتى إذا كانت مفارقة الكذاب!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الكذاب
عرض التعليقات
تحميل المزيد