تعبت من مرارة هذه الأيام وقهرها وقد بلغت من الكِبَر عتيًّا، وقررت أن آخذ قسطًا من الراحة، أرتاح من محاولتي العاشرة لمغادرة هذه المدينة مدينة الأشباح والظلام (مدينة الرقة المحاصرة).

قبل حوالي الشهرين استطعت أن أرسل أولادي الخمسة وزوجتي المتعبة إلى أي مدينة أو أية بقعة أرض تكون أكثر أمنًا من هذه المدينة التي كانت تنتظر المجهول، أرسلتهم ليبقى لعائلتي مكان في هذه الأرض وليعودوا بيوم من الأيام ويبنون بيتي الذي كنت قد سلمت بدماره سلفًا، يعودون ليحرثوا أرضي التي ورثتها عن أبي وجدي، أبي الذي طالما أخبرني أن أرضي هي عرضي، وهذا الدافع الوحيد الذي بقيت لأجله هنا ولم أغادر مع أولادي.

بعدما خرجت أسرتي من الرقة بدأ زخم المعارك يقترب وصوت الانفجارات يدوي أكثر فأكثر في أذنيّ وفي كل مرة أقول في نفسي عساهم تنظيم «داعش» وهذه المحاولة الأخير للصمود والمحاولة الأخيرة للطرف الآخر (قسد – مدعومة بالولايات المتحدة الأمريكية) للتقدم داخل المدينة، لكن للأسف يخيب أملي وتبدأ معالم الحياة تتبخر وتنتهي.

فمعظم الذين بقوا من المدنيين في الرقة يموتون إما بسبب غارات التحالف الدولي أو نتيجة الاشتباكات بين الأطراف المتصارعة على النفوذ في المنطقة أو خلال هروبهم من الموت نفسه، والعشرات من المدنيين ماتوا غرقًا في المجرى الذي شقته سواعد الرحمن بيوم من الأيام ليكون حياة للناس لا جحيمًا لهم (نهر الفرات)، وفي كل صباح نستيقظ على خبر استشهاد العشرات من المدنيين الذين ضاقت بهم سبل الحياة بين مطرقة حكم تنظيم «داعش» وسندان قصف طائرات قوات التحالف الدولي.

وفي اليوم الأربعين لبداية المعارك داخل المدينة وفي محيطها، قررت أن أخرج من بيتي لأبحث عن مخرج من هذا الموت المحتم، لم يكن أحد يأبه بذلك الرجل الستيني، فجميع من صادفتهم هم مقاتلون إسلاميون مأدلجون يبحثون عن رجل ليرسلوه لغمًا لأعدائهم.

وبعد أن فقدت الأمل في الخروج من المدينة قررت أن أعود لبيتي لأموت تحت ثراه وآكل ما بقي من خبز يابس كنت قد خبأته قبل أيام لمثل هذا اليوم مع ثمار الباذنجان المحشي بالجوز والفلفل الحار والمخزن بزيت الزيتون (المكدوس)، التي صنعته زوجتي لشتاءٍ غالبًا لن آراه بعد اليوم، لا أعلم ماذا جرى عندما كنت أتخيل طعم المكدوس، فجأة وجدت نفسي مستلقيًا على الرصيف بلا قدرة على الحراك.

لم أشاهد سوى غبار أبيض يتخلله بعض سوادِ البارود، وثقوبٍ في الحائطِ الذي أمامي كانت قد خطتها شظايا متبعثرة من قذيفة انفجرت بجانبي، وبينما كنت أنتظر أحدًا ليضمد جراحي ويذهب بي للنقطة الطبية التي لم يعد يوجد غيرها في المدينة، استطعت أن أتحسس بأحدى يدي التي مازلت قادرًا على تحريكها من جسدي كله جراحي العميقة وبقعة الدم الأحمر كأنهما تقولان لي لن تبقى على قيد الحياة بعد اليوم.

حاولت أن أصرخ، لكن أنين آلمي كان أقوى من أي صراخ، حينها بدأت ذكرياتي تمر من أمام عيني المخضبتين بالدماء الممتزج بغبار البارود، ولم أتخيل إلا تلك اللحظات التي عشتها بحب وآلم، لحظات الطفولة والمدرسة شقاوتي عندما توقظني أمي لأذهب للمدرسة، أيضا تذكرت مدربي في خدمة العلم الذي كان يعاملني بقسوة كي أصبح رجلا جأشًا لأحمي هذا الوطن آه يا وطن، ماذا حل بك؟

تذكرت حفلة زواجي، وزوجتي الحنون وأطفالي الذين أمضيت حياتي أعلمهم وأسعى لتأمين مستلزماتهم ليكونوا عونًا لي في مثل هذا العمر، وأكون راضيًا عن ما وصلوا إليه وأرفع رأسي بهم في الحي وأمام أصحابي، هذا حلم كل رجل سوري على ما أعتقد.

وتخيلت نفسي بلحظة من اللحظات، أن أكون غدًا وربما بعد أسبوع، رقما ضمن عشرات الأرقام التي يتباكى عليها من يسمون أنفسهم حقوق الإنسان، ومن جاؤوا ليخلصونا من ظلام هذا التنظيم الهمجي ويجعلونا نتنعم بالحرية، نعم حرية الموت أو بالأحرى حرية اختيار طرِق الموت، فإما موتٌ تحت الأنقاضِ أو غرقًا في نهر الفرات أو موت بطعم مخيمات الذل.

وآخر ما شاهدته قبل أن أغمض عينيّ عن هذه الدنيا، هو وداعي لأولادي وأمهم ودعواتي لهم عندما أخفيت دموع رجلٍ ستيني يخاف أن يشاهد أولاده في هذه الحالة المؤلمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد