تصارحني نفسي في كل آن، منذ نعومة أظافري، أنا لا أصلح للتجمعات، وإن اضطررت إليها فأنا راحل بعقلي وروحي، ربما أنا في كل آن راحل، أنا أدرس ما لا أهوى، أجتهد به، يفرح والداي، وأنا أتعمق فيما لا يصلح لي أبدًا وتغوص روحي لتدفن أكثر.

كنت في صغري لا أحب الرسم، وددت قصة قصيرة ألتقطها لأقرأها من هنا أو هناك فأنهمك فيها بشغف وأترك جانبًا دفتر الرسم، تمضي من الأيام سبعة ويحين الميعاد لتسليم موضوع الرسم الذي كلفت به في المدرسة فأجدني في الليلة السابقة للميعاد ذاك لم أقم بشيء بعد، أحمل دفتري مفتوحًا علي الصفحة المعنية وأذهب إليها، منهكة هي بعد يوم مليء بالأعمال المنزلية الشاقة وقد جلست توًا للكرسي تمسك بمعصمها الذي يؤلمها منذ سنين عديدة، تتنهد وتتناول الدفتر، تتناول القلم الرصاص فتنساب الخطوط من بين يديها بتناسق به أنبهر تكيل للصفحة البيضاء ضربات من السن الحاد فتنتج عنه مزهرية من بديع الجمال بمكان، تضيف لها الوردات، وأنا إما بجانبها أجلس أو قد انسللت لألهو، تختار الألوان، ربما تكمل اللوحة فتضيف الألوان أو تحددها وتناديني أن اكتمل دوري فأضف أنت الألوان، يتم ما نتفق عليه، ثم سبات.

أنا بالمدرسة في اليوم التالي وها هي حصة الفنون، لا يخفي معلم التربية الفنية انبهاره باللوحة لكن يخبرني أنه كان يفضل لو كانت تتوسط زخارفها كلمة «الله» فأكتفي أنا بهز رأسي وبداخلي السؤال يتعاظم لماذا يصر هو علي كتابة الكلمة، ألم ير الله في الجمال ذاك كما رأيته أنا وأمي بطبيعتنا؟ أنا رأيت الله في كل جمال، رأيت إعجازه، ورأيت أمره العظيم في الجمال الأكبر «أمي».

يحرص الغالب الأعم من حولنا على أداء الشعائر، يذهبون لدور العبادات، يتلون الصلوات ويرددون الكلمات، كل ذلك من المكان بعظيم لكن تساؤلي ها هنا لم لا يرون الله مثلي في أداء الأعمال بإتقان أو في الإحسان لغريب عابر؟! لم لا يرونه في إحقاق حق وإبطال باطل؟! لم لا يرونه في كل جميل كما رأته أمي؟! وكما رأيته أنا؟!

منفصم مجتمعنا هذا، يبغي قولبة كل إنسان فيصنفه وإن لم يخنع موافقًا هوى الأخير فله الويل له من الاتهامات سيل ومن التجريح والسباب آخر ثم يتمم بالدعوات أن يقيه الله كونه مثل ذا الأخير، أيرون الله فيما يفعلون حقًا؟!

أنا أري الله، أراه في بغضي لكل قبيح، أراه في خفقة قلبي لصغير كادت أن ترتطم به السيارة المسرعة فجانبته وقد كانت على وشك، أنا لا أعرفه لكني أعرف أن ها هنا الله، نفخ فينا الروح وجعلها من أمره وحده، خلقنا بشرًا آدميين، وهبنا ميزان عدل وفطرنا متراحمين فأبي من البشر إلا نزاعًا وقتلًا وفسادًا وعبثًا وزعموا أنهم يرون الله في ذلك.

يا سادة، الله لا يرى إلا بجمال وعدل ورحمة وتسامح وإنسانية، الله لا يرى بقبح ولا بظلم ولا بقتل ولا بتكفير أهوج ولا بعنصرية دين أو عرق أو جنس أو لون.

بالله كونوا كما أمركم، جدوه في لقيمات تجعلونها في بطون جائعين وفي كساء يقي لاجئين ومشردين قيظ شمس أو برد شتاء، جدوه في عقار يقي المنهكين في الأقاصي شر الهلاك إثر فتك المرض بهم وفي أبجدية يشير إليها معلم يلقنها طلابًا وإما أن يتركوا للجهل فريسة.

وأخيرًا جدوه بفكر مستنير معتدل تزرعونه الناس وتدعونه إياهم بسلوككم وأفعالكم ليقيهم كل تعصب أو تطرف كما تأملون إيجاده في صلواتكم ودعواتكم، ابحثوا عنه حبًا به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العالم, الله, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد