إذا كان مشهد اقتحام السفارة الأميركية في طهران في العام 1979 ملهما للكثيرين في المنطقة والعالم؛ فقد انهارت كل الشعارات الإيرانية أمام ما تفعله إيران في العراق وسوريا واليمن، وبعد الاتفاق النووي مع أميركا والغرب!

 

اقتحام السفارات والقنصليات وتهديد البعثات الدبلوماسية سلوك يليق بالعصابات وقطاع الطرق، ولا يليق أبدا بالحكومات والدول! وما حدث للسفارة السعودية في طهران ولقنصليتها في مشهد تصرف ينم عن البلطجة والعربدة الإيرانية التي تعيث في المنطقة!

 

للسعودية الحق في حماية بعثتها الدبلوماسية وسلامة أراضيها ومواطنيها بالشكل الذي تراه مناسبا، خاصة بعد استهداف أراضيها بصواريخ باليستية أطلقها الحوثيون على جنوب المملكة.

 

لكن من غير الممكن تناول الخطوة السعودية بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران، بمعزل عن قراءة الخط العام للسياسة السعودية، والدوافع الحقيقية لهذه الخطوة، ووضعها في الميزان، هل هي جريئة أو متهورة؟؟

 

الحديث عن السياسة السعودية ذو شجون! فالرياض على خلاف إستراتيجي مع طهران، وأي انتقاد للسياسة السعودية يفهم من البعض خطأ أنه انحياز للسياسة الإيرانية، التي ثبت للجميع أنها طائفية مذهبية براجماتية تبحث عن مصالحها المادية ولو على جثث الآلاف!

 

لكن المشكلة أن النظام السعودي يستغل الرصيد الروحي الكبير للبلد الحرام، ويقحمه في قضايا سياسية لا علاقة لها بالدين من قبل النظام السعودي من قريب أو بعيد، ويعتمد سياسات ديماجوجية شعبوية، تسعد قطاعات من المواطنين على المدى القريب، وتلهب حماسهم، لكنها تخفي كوارث جمة عليهم وعلى والمنطقة على المدى البعيد! بالضبط كما كان يفعل عبد الناصر في الستينات، وأورد مصر والمنطقة المهالك، بمغامراته وشغفه بالسلطة، ويا للعجب فقد كانت السعودية تعارض سياساته علنا وقتها!

 

 

ومن حيث المبدأ فإن منطلقات السياسة السعودية بصفة عامة، تهدف إلى تحقيق أحد هدفين إستراتيجيين:

  • الحفاظ على ملك آل سعود.
  • الحفاظ على علاقات إستراتيجية مع الولايات المتحدة.

 

وفي ضوء هذين الهدفين يمكن تفسير جميع القرارات التي اتخذتها السعودية في الآونة الأخيرة، وفهم منطقها

-الذي يبدو في أحيان كثيرة لا منطقي- في الشعور بالخطر تجاه قضايا معينة، أهمها:

الثورات العربية:

رأت السعودية في الثورات العربية بشكل عام، وفي الثورة المصرية بشكل خاص، خطرا داهما على الإستراتيجية الأولى لديها، “الحفاظ على ملك آل سعود”.

فالنتيجة الحتمية لنجاح الثورات العربية هو وجود ديمقراطية حقيقية في بلدان الثورات العربية، تنتج تداولا سلميا للسلطة لم تشهده المنطقة من قبل! وكان التقدير السعودي أنه في غضون ولايتين رئاسيتين أو ثلاثة على أقصى تقدير(10– 15 سنة) سيطالب الشباب السعودي بنفس التوجه، في الإصلاح السياسي والتغيير والتداول السلمي للسلطة، الأمر الذي يفتح الباب نحو تغيير النظام في المملكة من الملكية المطلقة، إلى الملكية الدستورية، التي يملك فيها الملك ولا يحكم، أو حتى النظام الجمهوري!

 

  • تونس: كان موقف السعودية هو الوقوف ضد الثورات العربية على طول الخط، فكانت الدولة التي استقبلت طاغية تونس بن علي، وساهمت بشكل كبير في القفز على الثورة هناك وعودة النظام القديم بديكور ديمقراطي!

 

  • اليمن: في اليمن وقف السعودية أيضا مع علي عبد الله صالح وأجرت له 10 عمليات جراحية منها 8 في الوجه، ولم يكد يخرج من غرفة العمليات حتى تحالف مع الحوثيين ضدها.

ج- مصر: لما فشلت محاولات احتواء الثورة المصرية وقفت السعودية مع محاولات الجيش المتكررة للانقلاب على الثورة، لاحتوائها وإنتاج ديكور ديمقراطي على غرار ما حدث في اليمن وتونس! لكن إصرار الإخوان على ترشيح مرشح في الرئاسة منع هذه المخططات، فاضطروا جميعا إلى السيناريو الخشن: الانقلاب العسكري، وبدعم سعودي كامل!

د- في البحرين: رأينا قوات درع الجزيرة بقيادة سعودية لأول مرة، تقمع المظاهرات هناك، وتحتل وسط المنامة بالقوة. وإذا كان مبرر البعض في تأييد ذلك أن الشيعة هم من يحركون المظاهرات هناك، فهل كان الشيعة من يحركون المظاهرات في رابعة؟؟ الجميع يعلم أنه لولا السعودية ما حدث الانقلاب، وما قام الجيش بمجزرته المروعة في قلب القاهرة! حرص آل سعود على ملكهم هو ما دفعهم إلى الوقوف في وجه الثورات العربية جميع بغض النظر عن المذهب!

هـ- سوريا: ورغم المساعدات التي قدمتها السعودية للثورة السورية، فيجب ألا ننسى أن السعودية كانت من أهم العوامل التي ساعدت على تحويل الثورة السورية إلى حرب شاملة “عسكرة الثورة”.

ورغم أن لإيران الدور الرئيسي في هدم هذا البلد، لكن القاصي والداني يعلم أنه لا حل في سوريا بدون إيران، فهل من مصلحة الثورة السورية أن تقطع السعودية علاقتها بإيران، وفي هذا التوقيت قبل مفاوضات جينيف هذا الشهر؟؟

إيران:

وكما رأت السعودية في الثورات العربية خطرا عليها، فلطالما رأت السعودية في إيران خطرا عليها، منذ ثورة الخميني، ليس بالضرورة لأنهم شيعة ، ولكن لأن لدى إيران، كما هو معلوم، مشروعا توسعيا عابرا للحدود، وتنافس بقوة على زعامة المنطقة، بما تمتلكه من قدرات عسكرية وتحالفات توازي بشكل كبير تحالفها مع الولايات المتحدة!

ثم شعرت السعودية بطعنة في الخلف؛ حين وقعت الولايات المتحدة مع الدول الغربية الاتفاق النووي مع إيران، وتم بموجبه رفع الحظر عنها، في الوقت الذي رفضت الولايات المتحدة مد السعودية ودول الخليج بأسلحة متطورة خوفا من اختلال ميزان القوة في المنطقة الراجح لصالح إسرائيل، كما رفضت الولايات المتحدة توقيع اتفاقيات دفاعية مكتوبة مع دول الخليج الأمر الذي دفع الملك سلمان لعدم حضور القمة الأميركية الخليجية في كامب ديفيد قبيل الاتفاق النووي!

لجأت السعودية للبحث عن حليف آخر لعرقلة الاتفاق النووي، تارة في روسيا التي عقدت معها صفقات سلاح بـ 12 مليار دولار،أو فرنسا التي وقعت معها صفقات بـ 10 مليارات دولار، غير الصفقة التي وقعتها قطر لشراء طائرات رافال الفرنسية، ودعوة أولاند لحضور القمة الخليجية في الرياض لأول مرة، لكن بكل أسف؛ كل هذه الجهود ذهبت سدى، ولم يستطع أحد عرقلة الاتفاق!

وإذا كان رفض السعودية للسياسة الإيرانية الدموية في سوريا مفهوما، وقد تسببت إيران -بدعمها اللا محدود للأسد، ودفعها بحزب الله اللبناني وميليشيات عراقية في سوريا- فإن موقف السعودية من حزب الله في 2006 حين حارب إسرائيل لا يمكن فهمه إلا في ضوء الأهداف الإستراتيجية التي ذكرناها، وهي الحفاظ على ملك آل سعود، والحفاظ على علاقات إستراتيجية مع الولايات المتحدة !

 

فكل من يعارض الآن تدخل حزب الله في سوريا، أيده سابقا حين حارب إسرائيل، لكن وزير خارجة السعودية وصف وقتها ما جري بالمغامرة، وأيد العدوان الإسرائيلي على لبنان، في موقف مخزي مهين!

 

دليل آخر على حقيقة نوايا السياسة السعودية وأهدافها يتمثل في دعم الثورات المضادة في الدول العربية السنية التي من الممكن أن تتحد مع السعودية ضد السياسة الإيرانية، وكلنا يذكر موقف الرئيس مرسي، من ترحم على الصحابة في قلب إيران، ورفضه العرض الإيراني السخي من أحمدي نجاد، وتصريحه وقتها أن أمن الخليج خط أحمر! ومع ذلك دعمت السعودية الانقلاب العسكري عليه إبان الملك عبد الله، وأعلن الملك سلمان من تركيا أنه يعتقد أن مصر يجب أن يحكمها رجل عسكري!

السعودية لم تدرك بعد فيما يبدو أن إيران تستمد قوتها من نفوذها في الدول العربية المجاورة لها، وأن التصدي لها يكون بدعم عربي مقابل، مما يجعل المحاولات السعودية للتقارب مع باكستان لمواجهة النفوذ الإيراني لعب خارج السياق، ومجهود لا طائل منه! وربما هذا هو السبب في جهود السعودية لإحداث تقارب مصري تركي، وفي ضغوطها على الإخوان للتصالح مع النظام.

 

الخلاصة:

إيران لديها مشروع طائفي توسعي في المنطقة، وباعترافات القادة الإيرانيين أنفسهم فإنهم صاروا إمبراطورية عاصمتها بغداد، وأنهم صاروا  يسيطرون على أربع عواصم عربية! وأزعم أن إيران أداة أميركية لإعادة تقسيم المنطقة في سايكس بيكو جديدة على أساس مذهبي هذه المرة!

 

لكن السياسات السعودية لمواجهة هذا الخطر الإيراني ليس نابعا من خوف على الأمة من مخطط إيران، ولكنه نابع من خوف على استمرار حكم آل سعود فقط، والتخوف من كل من ينازعه القوة والنفوذ!

 

مشكلة السعودية أنها تنتمي إلى الماضي!! نظامها مستبد، وهذه حقيقة، وتريد إبقاء الدول الحليفة معها على استبدادها رغم أن ذلك يضعفها، لأن تداول السلطة في هذه الدول ونجاح الثورات فيها فيه خطر على النظام السعودي وأنظمة الخليج، حتى لو كان تحرر هذه الدول في مصلحة العالم السني ضد المشروع الصفوي الإيراني!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد