قبل البداية

أي تشابه يراه القارئ بين ما حدث هناك، وما يحدث هنا يتحمله القارئ وليس الكاتب.

«اليوم تُضرب حركة التحرر الوطني في الشرق الأوسط، وغدًا دول أوروبا الشرقية، وبعد غد يصل الخطر إلى الاتحاد السوفيتي ذاته الذي سوف يجد نفسه وقتها مُحاصرًا ومعزولًا». الرئيس تيتو

في 5 يونيو عام 1967، وقع عدوان إسرائيلي على مصر وسوريا والأردن، نتج عنه احتلال إسرائيلي للأراضي العربية. كان العرب في ذلك الوقت حلفاء للسوفييت، بينما إسرائيل حليفة للولايات المتحدة، كان واضحًا أنه منذ تلك اللحظة حدث تغيرًا كبيرًا على الساحة الدولية، فبينما المؤشر يقول بأن أمريكا في صعود فإن الاتحاد السوفيتي في هبوط. وعندما سكتت المدافع وانجلى دخان الحرب، كان الرئيس اليوغوسلافي «جوزيب بروز تيتو» أول من لمح التغيير الكبير على القمة الدولية، وأدرك معناه، واتصل بالزعيم السوفيتي وقتها «ليونيد برجنيف» يطلب اجتماعًا سريعًا على مستوى القمة للأحزاب والحكومات الشيوعية، وبالفعل عقد هذا الاجتماع سرًّا في موسكو. ووقف «تيتو» في الاجتماع قائلًا:

إن الذي دعاه إلى الإلحاح على عقد هذا الاجتماع هو أن ما حدث في الشرق الأوسط يمكن أن تكون له آثار على الموازين العالمية كلها، فمجرد أن تُعطي الولايات المتحدة نفسها حق أن تتقدم لضرب إحدى الدول الطليعية في حركة التحرر الوطني «مصر» ثم لا يكون أمام الاتحاد السوفيتي سوى أن يدين العدوان فهذه بداية لها ما بعدها.

«اليوم تُضرب حركة التحرر الوطني في الشرق الأوسط، وغدًا دول أوروبا الشرقية، وبعد غد يصل الخطر إلى الاتحاد السوفيتي ذاته الذي سوف يجد نفسه وقتها مُحاصرًا ومعزولًا».

ثم مضى «تيتو» وكأنه يقرأ المستقبل، ويقول: «إن الاتحاد السوفيتي لم يتمكن حتى الآن من حل مشكلة القوميات فيه، ونحن نعرف وأنتم تعرفون أن هناك نشاطًا مُعاديًا يتحرك في الجمهوريات الجنوبية كأذربيجان وكازخستان وجورجيا وغيرها، وأيضًا في الجمهوريات الشمالية كإستونيا ولاتفيا ولتوانيا».

ثم تساءل «تيتو»: «إنني أريد أن أعرف أين هو الخط الذي لا بد أن تقفوا عنده وتعرفوا أنه لا تراجع بعده؟».

الرئيس «تيتو»

ومن يومها والاتحاد السوفيتي وجد نفسه يطوي البساط من مكان لمكان، ومن منطقة لمنطقة؛ حتى وصل طي البُساط إلى داخل الإمبراطورية السوفيتية ذاتها، في مشهد يدعو إلى الحزن ويثير البكاء ويتعاظم ليصل إلى حد الشفقة والرثاء.

كان الرؤساء الأمريكيون قد ترددوا وتعثروا في اختيار الأسلوب الأمثل الذي تستطيع به الرأسمالية الأمريكية أن تنافس وتقهر الشيوعية السوفيتية.

  • اتجه «ترومان» (1945 – 1951) إلى المواجهة العسكرية، فوقعت الحروب المحلية في البلقان، وفي إيران وفي كوريا، وكان التورط في كوريا هو الذي قاد فيما بعد إلى فيتنام.
  • واتجه «أيزنهاور» (1952 – 1960) إلى أسلوب الردع النووي الشامل، ولكن هذا الأسلوب فقد مصداقيته لأن أحدًا لم يكن مستعدًا للوصول إلى حافة الهاوية، كما سمونها وقتها.
  • ثم جاء «كنيدي» (1961) واعتمدت إدارته أسلوبًا آخر لا هو الحرب ولا هو الردع ولكن «سباق التسلح». وكان «ماكنيمار» وزير الدفاع الأمريكي وقتها هو من شرح الفكرة قائلًا: «علينا أن نرغم الاتحاد السوفيتي على ترتيب أولوياته، إن النظام الشيوعي يعد جماهيره بمجتمع من الرفاهية ينتفي فيه الفقر، ومجتمع من المساواة ينتفي فيه التمايز الطبقي.

    ولتحقيق هذه الأهداف فإن الاتحاد السوفيتي مُطالب بأن يضع التنمية كأولوية أولى قبل الأمن، وعلينا أن نُرغمه على أن يرفع أولوية الأمن ويضعها قبل التنمية. وعلينا أن نشده إلى سباق سلاح يقطع أنفاسه ويرهق موارده، ويتركه في النهاية ترسانة نووية بدون رغيف خبز أو قطعة لحم.

    وكذلك فإن غلبة الأمن على الأولويات السوفيتية سوف تنعكس من الخارج إلى الداخل، فيزيد تركيز السلطة في يد المسئولين عنه في أجهزة الحزب والدولة؛ مما يباعد بينهم وبين عامة الناس ويعزلهم».

    وسار خُلفاء كنيدي على نهجه، وتحقق للولايات المتحدة ما أرادت.

    وعندما حدث الانقلاب الشهير في الاتحاد السوفيتي، فقد أسفر هذا الانقلاب أو محاولته عن فضائح بلا حد للقوة السوفيتية التي كانت في يوم من الأيام مهيبة وقادرة. عجز الجيش السوفيتي حتى عن تدبير انقلاب داخل الكرملين.

    وعجز زعيم الاتحاد السوفيتي «ميخائيل جورباتشوف» عن أن يحتفظ بأعصابه سليمة حتى بعد فشل الانقلاب عليه.

الانقلاب السوفيتي

وتجلت المأساة على بشاعتها عندما انتحر الماريشال «سيرجى أخرامييف» أكثر العسكريين السوفييت مكانة ومنزلة يوم 25 أغسطس 1991.

ولم يكن انتحار الرجل هو نهاية الفضيحة، وإنما وصلت الفضيحة إلى درجة أنه بعد دفن الماريشال «أخرامييف» بملابسه العسكرية -كما تقضي بذلك التقاليد- تسلل لص سوفيتي إلى مقبرته في الليل ونبشها وخلع عنه رداءه العسكري ونياشينه، وباعها لسائح أمريكي من هواة التذكارات الأثرية!

كانت المأساة السوفيتية ضياعًا سياسيًّا، وهوانًا إنسانيًّا في لحظة من تحولات التاريخ صعبة وقاسية.

وفي المحصلة النهائية فإن الاتحاد السوفيتي تحول بالفشل والحاجة معًا إلى تابع للسياسة الأمريكية، وكان ذلك أمرًا مُهينًا وبشعًا.

التوريث الأول من يلتسين إلى بوتن

كانت الخطوة الأخيرة على طريق «الديمقراطية الموجهة» في عهد «يلتسين» كانت نقل السلطة أو «توريث الحكم» في عام 1999. فالنظام الذي أسسه يلتسين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي قام على مبدأ تقوية السلطة الشخصية ليلتسين وحاشيته، ونقل السلطة في مثل هذا النظام يمثل في حد ذاته (أزمة) لغياب الجانب المؤسسي لهذه العملية. وفي هذه الحالة لا بد من اختيار «الوريث» المناسب الذي يضمن ليلتسين وحاشيته والعائلة عدم تعقبهم أو محاسبتهم قضائيًّا.

 «يلتسين»

وعلى ما يبدو أن العائلة قررت التضحية بالأب الروحي لروسيا المعاصرة لصالح التوريث، ومن المعروف أن مصطلح «العائلة» في روسيا أُطلق على مجموعة ضيقة من الشخصيات، سيرت أمور البلاد وتكونت من ابنة الرئيس يلتسين «تاتيانا»، وعشيقها الذي تزوجته بعد موت أبيها «فالنتين يوماشيف»، والمليارديرين اليهوديين «بوريس بيريزوفسكى ورمان أبراموفيتش»، وغيرهم.

نتائج السياسات الاقتصادية تتبدى بشكل لا يمكن ستره

كان الوضع الاقتصادي في عهد يلتسين صار لا يحتمل، فسياسة الخصخصة مثلًا التي اتبعها النظام أسفرت عن نهب ممتلكات الدولة
لصالح فئة محدودة على رأسها طواغيت المال (الأوليجاركية) من أمثال «بيريزوفسكى وجوسينسكي، وخودركوفسكي» وغيرهما من طواغيت المال المؤثرين على القرارين الاقتصادي، والسياسي للدولة.

وعلى سبيل المثال للنتائج السلبية للخصخصة إلى أنه جرى بيع حوالي 500 من الشركات الكبرى للدولة التي لا تقل قيمتها عن عشرين مليار دولار «بسعر الصرف وقتها» بيعت بـ7 مليارات فقط، أي بأقل من قيمتها الحقيقية بنحو ثلاث مرات!

كما أن أضخم مصنع لإنتاج السيارات «لادا» جرى بيعه بـ44 مليون دولار، فيما قدرت قيمته الحقيقية آنذاك بأكثر من مليار دولار!

لقد ارتبطت الخصخصة بإشاعة الطابع الإجرامي في الاقتصاد، فقد نُهبت الموارد الطبيعية وخاصة النفط والغاز، وبلغ حجم الأموال المهربة من روسيا 300 مليار دولار في عام 1998.

وتشير بيانات وزارة الداخلية الروسية إلى سيطرة المافيا على معظم القطاع المصرفي والتجاري، وتشابكت هذه المافيا مع الفئات المرتشية في أجهزة الدولة، وخاصةً في المستويات العليا، فقد بلغت نسبة المُرتشين 47% من العاملين في الوزارات.

وتقلصت النفقات بشدة على البنية الأساسية الاجتماعية، وأُهملت بشدة العلوم والصحة العامة والتعليم والثقافة والبحث العلمي.

وبلغ التفاوت الاجتماعي في روسيا حدًّا لا مثيل له تقريبًا، فوفقًا للبيانات الرسمية احتل هرم الدخل في روسيا في التسعينات حوالي 2% فقط من السكان، بينما كان 58% من السكان عند خط الفقر، و25% من السكان تحت خط الفقر. أما الفجوة بين الأغنياء والفقراء فكانت أكثر من عشرين مرة في عموم روسيا، وأكثر من خمسين مرة في العاصمة موسكو وحدها.

الوريث غير المنتظر يظهر على الساحة والنتيجة مفاجأة للجميع!

أخيرًا
حدد يلتسين بمساعدة الأسرة والحاشية «الوريث»، واختار شخصًا لم يكن معروفًا وقتذاك على نطاق واسع. ففي أغسطس 1999، وبشكل مفاجئ قام يلتسين بإقالة ستيباشين وعين بدلًا منه «فلاديمير بوتن» رئيسًا للحكومة، وحصل بوتن على دعم قوي وسط كل من «العائلة والحاشية»، وكل الطغمة الأوليجاركية، مثل الملياردير اليهودي بوريس بيريزوفسكي لم يكن أحد يعلم عن بوتن الكثير، سوى أنه أثبت أثناء عمله في ديوان الكرملين منذ عام 1996، وبعد ذلك كرئيس لجهاز الأمن الفيدرالي إلى أنه قادر على خدمة رئيسه.

إن المزج بين الولاء الشخصي والقدرة على التصدي لكل ما يهدد يلتسين وحاشيته كان تحديدًا الأمر المطلوب في «الوريث».

إن يلتسين في سنواته الأخيرة لجأ إلى البحث عن الوريث في صفوف أجهزة (المخابرات)، وعن سبب اختياره لبوتن يقول يلتسين:
«لقد تجاوزت روسيا الجديدة المرحلة الثورية الديمقراطية، والآن حان الوقت للعودة إلى فكرة بناء الدولة».

ولأن «الوريث» أو «الخليفة» لم يكن معروفًا وسط الشعب كان لا بد من التعريف به، وكانت الحرب الشيشانية الثانية (خريف 1999) الوسيلة المُثلى لذلك، حيث تواكبت هذه الحرب مع اقتحام المقاتلين الشيشان لداغستان في شمال القوقاز، ولا يشُك أحد بأن هذه الحرب ساعدت على تراض المجتمع حول السلطة، وحول رئيس الوزراء الجديد بوتن وأكسبته «سمعة الزعيم الحازم صاحب القبضة القوية».

وبالتوازي مع تلك الحرب وقبل استحقاق انتخابات مجلس الدوما في 19 ديسمبر1999، يجري تأسيس حركة «الوحدة» بأموال الملياردير اليهودي
بوريس بيريزوفسكي؛ لدعم الوريث “«فلاديمير بوتن»ن وسارع التيار الديمقراطي الليبرالي الموالي ليلتسين ممثلًا في حزب اتحاد قوى اليمين إلى تأييد بوتن أيضًا، وبدأ طواغيت المال يلعبون دورهم من جديد كي تتفوق حركة «الوحدة» على التكتل السياسي «ليفجنى بريماكوف» (عموم روسيا) في تلك الانتخابات، وبالفعل تنجح حركة «الوحدة» الداعمة لبوتن، والتي تشكلت قبل موعد الانتخابات البرلمانية بثلاثة أشهر فقط!

وفي 31 ديسمبر 1999 أعلن يلتسين عن تنحيه، وتنصيب بوتن رئيسًا بالوكالة، وفقًا للدستور.

 

الرئيس والوريث في ظل الديمقراطية التوافقية!

أول قرارات بوتن كرئيس بالوكالة تحصين يلتسين وعائلته من المحاسبة!

كان هناك من يرى أنه كانت هناك ضرورة ملحة لاستقالة يلتسين لإفساح المجال أمام «الوريث» لاحتلال المنصب الرئاسي مبكرًا، من خلال استغلال شعبيته المرتفعة للغاية بسبب الحرب.

كان أول مرسوم وقعه بوتن كرئيس بالوكالة، هو مرسوم تحصين يلتسين وأفراد عائلته من التعقب والمحاسبة القضائية!

ويذهب بعدها بوتن للانتخابات الرئاسية المبكرة في مارس 2000 كشخص يمتلك كل السلطة، معتمدًا على إنجازاته في الحرب الشيشانية، وأما الشخص الذي كان من الممكن أن يمثل خطرًا سياسيًّا على بوتن وهو «يفجيني بريماكوف» كانت شُنت عليه حملة إعلامية ضارية من قبل وسائل الإعلام المملوكة للملياردير اليهودي بيريزوفسكي، أدت به إلى عدم ترشيح نفسه أمام بوتن في تلك الانتخابات الرئاسية، بعد أن كان قد أعلن نيته المشاركة فيها.

وهكذا صوت الروس لصالح الرئيس الجديد «الوريث» المُختار، الذي حل محل يلتسين غير المحبوب في نهاية عهده، صوتوا لصالح الشخص الذي جسد منذ البداية مبدأ السلطة القوية والقبضة القوية، وبذلك أُسدل الستار على عملية «التوريث الأولى» في روسيا الجديدة.

 

الوريث يحصل على السلطة

أما كيف رسخ القيصر بوتن سلطته؟

فذلك محور الجزء القادم بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السلطة, بوتين
عرض التعليقات
تحميل المزيد