إن هذه الدولة الليبية كما هو واضح في سياسة الإقصاء التي تمارسها في حق مواطنيها التوارق من أصحاب الأرقام الإدارية، هي لا تعتبر التوارق شركاء وطنٍ أساسًا بل تعتبرهم شكلًا من امتدادٍ نرجسي للمكوّن العربي، وهذه النظرية الواهية والعنصرية هي ما أصبحت منذ زمن بعيد ذريعةً، برّرت بها الدولة لنفسها ابتكار شتى الطرق للوقوف دون حصول التوارق على أي حق أو أي منفعة مستدامة، لأنه حسب تلك النظرية، التوارق غنيمة لدولة، وإذا ما حصل هؤلاء التوارق على حقوقهم واستقووا بأنفسهم فسيغدون شريكًا منافسًا بدل كونهم تبعًا الآن، وستفقد الدولة غنيمتها بفقدانها ورقة المقايضة بالحقوق.

وقد يقول قائل، إن خيبة هؤلاء التوارق الأولى التي من الإنصاف اعتبارها أولًا،وقبل أي خيبة أخرى، هي خيبة طبيعة الصحراء، فعلّة الجفاف لا تقبل أن تشاطرها الحياة وجودها في أي مكان، وهذا القول بالطبع هو عدم معرفة لماهية طبيعة الصحراء، لأن يبَس الصحراء لا يعادي أبدًا وجود الحياة في الصحراء، وعلى العكس، فهو يشجع كل الحياة على أن تحيا أكثر وقت ممكن وبكل قوتها أيضًا، من خلال ترويض الأجساد فتحيى من القليل، ومن خلال تغذية النفس بثمرة الزهد المقدسة، التي لا يحصل عليها المرء دون تنقيبٍ وقراءةٍ إلاّ في هذه الصحراء التي تهب تلك الهبة مكافئةً وأجرًا لمن اتخذها دون غيرها وطنًا.

فالإنسان في الصحراء أكثر حياةً، لأن الصحراء في الأساس حية أكثر من أي مكان آخر. ولأن أهل الصحراء أيضًا لم تكن الصحراء بالنسبة لهم غير فردوس معطاء، كما يصفها بذالك رسولها إبراهيم الكوني.

وكما أيضًا هي طبيعة الوجود دائمة التمحور حول ثنائية الخير والشر، فشر الصحراء وفق هذه الثنائية، يبدو لنا في ظاهر بعض فضائلها، في ظاهر أفيون فضيلة العطاء، فحالُ الكثير من أهلها اليوم متخاذلون لأنفسهم متنصّلون من النّفس، بسبب انسياقهم وراء مغريات فضيلة العطاء التي لقنتها لهم أمّهم الكريمة الصحراء، فوراء فضيلة الكرم، وفضيلة الزهد، ثم فضيلة التسامح، وفضيلة السلام، حتى أوقعتهم تلك الفضائل في رذيلة عظيمةٍ اسمها «التّخلّي»، اسمها التخاذل والتّنصل من النّفس، في سبيل طرحٍ بخسٍ لفضائل لم تكن إلاّ زائفة، ما دامت المعادلة من الأساس زيّفٌ، فكل من طارد تلك الفضائل في الزيّف غدا هو أيضًا زائفٌ متخاذل.

فالسؤال الذي يجول في خاطر الكثير من التوارق اليوم، هو: لماذا لا تتعاطف هذه الدولة الليبية مع قضايانا الحقوقية والإنسانية هكذا؟

وقد يقول قائلٌ أيضًا، إن عدم التمثيل السياسي للتوارق في السلطة الليبية هو سبب آخر وراء ذالك، ويبدو أن هذا القول صحيح بالفعل، لأن عدم تمثيل التوارق سياسيًا في الدول، ساق الدولة الليبية الى عدم التعاطف مع القضايا التارقية في عموم كل المنطقة وليس داخل الدولة فقط، ولأن التوارق الذين يعملون في السلطة الليبية هم قلة، وليس كل تارقي في السلطة أيضًا هو يمثل التوارق، فالكثير من هؤلاء متخاذل أو متنصل، بذريعة أنه ليس إلاّ مواطنٌ «ليبيٌ صالحٌ» وليس له أي توجه قبلي، في حالة عجيبة من التخاذل للنفّس، فهؤلاء المتخاذلون هم ليسو إلاّ متملّقين قد نسوا أن الدولة ليست إلاّ عقدًا اتفاقيًا بين الناس،يضمن لكلٍّ حصته بشكل عادل، كما ما لا يفهمه هؤلاء أيضًا هو الفرق الشاسع بين التوجه الهوياتي الإنساني والأخلاقي، الذي يسعى من خلاله المرء الى استحقاق نفسه دون طمس للآخر، وبين التوجه العنصري الذي يسعى فيه المرء بجشع في تحقيق نفسه على حساب الآخر.

وهؤلاء أيضًا لا يعرفون أنه لا يوجد ما يسمى بالمواطن الصالح أو السيئ، بل هنالك مكوّن اجتماعي قوي ومكوّن اجتماعي ضعيف، ودستور عادل ودستور ركيك أو ظالم. خاصة في دولة ليبيا الناشئة، التي لا تقاس موازين القوى فيها إلاّ بالقبيلة، والوزن القبلي. فلا يمكن لأي مواطن أن يحظى بغلبةٍ أو نصرٍ في أي معركة حقوقية أو سياسية وسط هذه الطبيعة القبلية إلاّ من خلال وزنه القبلي أولًا، خاصة في فترة تفكك الدولة هذه.

وبالنظر إلى هذه الدولة الآن، فهي لا تعتبر مواطنيها التوارق أساسًا جزءًا من امتدادها الديموغرافي. ولا تعتبر قضاياهم قضايا تخصها. بينما تعتبر العالم العربي جزءًا أصيلًا من امتدادها الديموغرافي وقضاياه تخصها. فما يصدع به المسؤولون رؤوسنا يوميًا من أخبار وقرارات ونعي، يبث من خلال القنوات الرسمية والخاصة، لم يتطرق أبدًا، بشكل مباشر إلى القضايا التارقية التي تحدث في الداخل، أو على تخوم الدولة، كضحايا الإرهاب في دولة النيجر وفي أزواد. والقضايا الاجتماعية والسياسية في هذه الدول بالإضافة الى دولة الجزائر، ولا هذا الإعلام مهتم بتلك القضايا أساسًا.

ولكن في المقابل هؤلاء المسؤولون وهذا الإعلام، مهتمون بقضايا العالم العربي البعيد فقط، رغم أن قضايا التوارق الأفارقة أقرب من تلك القضايا الآسيوية، أحجية عجيبة، تجعل من المواطن التارقي يتساءل ما إذا كانت الدولة الليبية تعتبر التوارق جزءًا من الأسرة الإنسانية حتى!، فما بالكم بإمكانية اعتبارهم جيرانًا أو زملاء أو حتى جزءًا من هذا العالم المسمى بالعالم الثالث، ما دامت هذه دول العالم الثالث تتحاشاهم ولا تهتم بهم.

ففي 26 مارس من هذا العام، وجه رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة، تعازيه للشعب المصري الجار، في حادث تصادم قطاري محافظة سوهاج، الذي راح ضحيته حوالي 32 إنسانًا و165 جريحًا، في حادث مأساوي حقًا، ولكن قبل يومين من ذاك الحادث أيضًا، وقعت مجزرة كبيرة في دولة النيجر الجارة أيضًا بقرية «تليا» راح ضحيتها حوالي 137 إنسانًا من التوارق كلهم ذكور بين أطفال ورجال، كشكل من أشكال الإبادة الجماعية التي كانت تمتهنها بعض الدول في المنطقة قديمًا، واليوم يمارسها التطرّف بدعم ضخم غامض، ولكن هذا الحدث المأساوي لم يعتبره رئيس حكومة الوحدة الوطنية حدثًا إنسانيا مأساويًا يدعو إلى التعزية، ولم يتطرق إليه الإعلام في هذه الدولة إلّا بشكل هامشي سريع رغم فظاعته.

كما وكأن الصحراء أيضًا تأبى أن تسمح لأهلها أن يتخذو أوطانًا أخرى تحتويهم غيرها. رغم خنادق وفواصل الحدود التي أضحت بهذه الصحراء كعكةً مغرية مقطعةً، ضمن مائدة طويلة اسمها أفريقيا مشهدًا هزليًا، يظهر فيه أعداد المتملّقين والمتخاذلين جالسون حول هذه المائدة،كل منهم يحمل شوكة باليد وباليد صحنًا، في انتظار إشارة من مشرفي المائدة لينطلقوا نحوها بكل غرائزهم.

وكأنه أيضًا في خضم سيلان لعاب هؤلاء، يتمتم «سيادة الجهل» أحد المشرفين قائلًا «كنت أعلم أن هذا سيحدث»، ولتبتسم له أيضًا بخبثٍ العنصرية والأنانية وعدد من الدول العربية أيضًا، لأنه وللأسف «السيد الكِّبرُ» يمنع كل هؤلاء الجماعة من أخذ «سيادة الجهل» بعين الاعتبار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد