تناقل زوار المواقع الاجتماعية منذ أيام «فيديو» لسائق توك توك مصري ينتقد فيه الأوضاع التي تعيشها مصر الآن في عهد الديكتاتور عبد الفتاح السيسي، وأول ما يثير الانتباه في الفيديو أنه خرج من إحدى القنوات المصرية المؤيدة للانقلاب ولحكم العسكر، إذ كيف تخرج مثل هذه القنوات فيديو وتعرضه على قنواتها وفيه انتقاد واضح للحكومة المصرية برئاسة الديكتاتور السيسي؟ مع العلم أن هذه القنوات نفسها وأخواتها تسبح ليل نهار بحكم العسكر.

وبحكم أنني من بلدٍ إعلامه لا يختلف كثيرًا عن الإعلام المصري إن لم يكن أسوأ وهو سوريا، فتبادرت إلى ذهني مباشرةً الصور والفيديوهات التي تفبركها أجهزة الأمن في سوريا وتعرضها على الإعلام السوري ويستطيع أي شخص عاقل أن يعرف مباشرة أن هذه الفيديوهات تلفيق من قبل المخابرات وأجهزة الأمن.

قد يكون الفيديو صحيحًا والرجل الذي ظهر فيه صادقًا ومن عامة الشعب المصري، وقد يكون الأمر معاكسًا ومدبرًا من قبل هذه القنوات، ولكن المتأكد منه أن هذه القنوات لم تعرضه لانتقاد السيسي وجنرالاته وما يفسدونه في مصر أو للنيل منهم، وإذا ابتعدنا عن الحديث عن أصحاب القناة التي بثت الفيديو وأهدافهم أو ما يسمى بصراع الأجنحة داخل منظومة الجنرالات والعسكر، وابتعدنا أيضًا عن نظريات المؤامرة؛ فإن ما قاله سائق التوك توك صحيح إلى حد بعيد.

مصر الآن تعيش حالة من أسوأ الأحوال في مختلف الجوانب؛ فبالنسبة للدور السياسي فقد حول العسكر مصر إلى دولة تابعة بشكل مطلق للدول الكبرى فتارة إلى أمريكا وأخرى إلى روسيا، وأما على الصعيد الاقتصادي فما زال الجنيه المصري يواصل انهياره وحتى السلع الغذائية الرئيسية يعاني المواطنون في الحصول عليها، وأصبحت مصر تبتز دول الخليج سياسيًا للحصول على الأموال لتملأ بطون الجنرالات التي لا تشبع, أما على المستوى الاجتماعي فالسيسي وجنرالاته بدلًا من تحسين حياة المواطنين والنهوض بالتعليم ببناء المدارس والجامعات عمدوا إلى بناء سجون جديدة ورفعوا من مستويات الاحتقان بين المصريين.

كل الأحداث التي تجري رحاها في مصر الآن تبشر بحدوث انتفاضة أو ثورة قريبة جدًا، فمصر الآن كبركان يغلي في داخله وينتظر ساعة الصفر كي يُخرج الحمم منه، ولكن أكثر ما يخيف أن تسلك الثورة أحد المسارين التاليين:

1-انتفاضة جياع وحينها لا يصح أن تسمى ثورة بل ستكون أقرب إلى مظاهرات من أجل الخبز، وستشبه حينها ما حدث أيام أنور السادات عام 1977 ونجح السادات في أيام قليلة بقمعها وإيداع الآلاف في السجون، كما لا يصح شعار (عيش حرية عدالة اجتماعية) فالعيش ليس مقدمًا على حرية الإنسان فالحرية هي جوهر إنسانيتنا وإن كان من خلالها نستطيع أيضًا تحقيق عيش كريم وتأمين الطعام وباقي متطلبات الحياة.

2-أن يقوم جنرالات الجيش بأوامر من دول خارجية وبعد بدء المظاهرات بخلع السيسي وإحضار رئيس جديد لا يتعدى أن يكون سوى واجهة جديدة لحكم العسكر، ومع أن السيسي قد تعلم درس مبارك عام 2011 عندما تخلت عنه أمريكا وتركته يواجه مصيره رغم ولائه المطلق لها، فهو يحاول التوجه شرقًا الآن لينال دعم روسيا، ولكن الأحداث قد تتسارع فيقوم جنرالات الجيش بخلعه قبل أن يتمكن من تثبيت نفسه أكثر.

وفي ظل ما يحدث في مصر الآن فقد يرجح المسار الأول الذي أوردته لأن حدوث ثورة حقيقية يحتاج لعقيدة واضحة بإزالة حكم العسكر نهائيًا ومن الجذور ومنعهم من الدخول في المجال السياسي مستقبلًا, وتحتاج الثورة الحقيقية أيضًا إلى قيادات بارزة وقوية وهؤلاء غائبون أو مغيبون عن الساحة حاليًا إما في السجون أو خارج البلاد، ولا يتصدر المشهد الآن في مصر إلا مجموعة من المشايخ الذين يعملون وفق توجيهات أمن الدولة أو مجموعة ممن يسمون بالمثقفين ذوي الميول العلمانية واليسارية المرتبطين إما بنظام العسكر أو بدول خارجية أخرى يسعون لتنفيذ أجنداتها في مصر.

الثورة تمر عادة في ثلاثة أطوار رئيسية؛ فأولًا يتم تغيير بسيط في هيكلية الدولة ومؤسساتها، ثم تكون الثورة المضادة التي تحاول إرجاع النظام القديم بكل مقوماته السابقة، ثم تأتي الثورة الحقيقية التي لا تبقي ولا تذر فتقتلع النظام القديم وتبدأ بالبناء من جديد. ورغم أن الوضع في مصر الآن وفي المستقبل القريب يبدو قاتمًا وغير واضح الملامح، فيبدو أننا ما زلنا في الطور الثاني من الثورة حيث قد تحصل بعض التحركات والتجاذبات في المجتمع ولكن بعد فترة ليست طويلة نحن على موعد مع الطور الثالث والمرحلة النهائية حيث ستكون الثورة الحقيقية التي تمتلك عقيدة واضحة وتكون قدوة تحذو حذوها بقية بلادنا العربية في ثوراتها الحقيقية القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد