يقول محمود درويش: «لا بأس من أن يكون ماضينا أفضل من حاضرنا، ولكن الشقاء الكامل أن يكون حاضرُنا أفضل من غدنا».

أهداف التنمية المستدامة

التفكير في المستقبل عامل من عوامل نضج الأفراد والأمم، وقد انتبه العالم منذ بداية القرن الماضي -خاصة بعد ما طرأ على الكون من تغيرات مناخية خطيرة- إلى سلبيات الاكتفاء بعيش الحاضر دون التفكير في مستقبل الأرض وحقوق الأجيال القادمة.

أقر المشاركون في قمة الأرض المنعقدة في ريو دي جانيرو سنة 1992 «فكرة التنمية المستدامة» باعتبارها «عملية تطوير الأرض والمدن والمجتمعات، وكذلك الأعمال التجارية بشرط أن تُلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجاتها».

وتم في 25 سبتمبر (أيلول) 2015 بمقر الأمم المتحدة الاتفاق على أجندة للتنمية المستدامة عنوانها «أجندة 2030» تتضمن 17 هدفًا و169 غاية، وتتمركز أبعاد هذه الأجندة حول البعد البيئي والبعد الاجتماعي والبعد الاقتصادي والبعد التكنولوجي.

تعتبر أجندة 2030 خطة لتحقيق مستقبل أفضل للعالم، وتتمثل أهداف هذه الخطة في القضاء على الفقر، والقضاء التام على الجوع، والصحة الجيدة والرفاهية والتعليم الجيد إضافة إلى المساواة بين الجنسين والمياه النظيفة والنظافة الصحية، وطاقة نظيفة بأسعار معقولة، وكذلك في العمل اللائق ونمو الاقتصاد والصناعة والابتكار والهياكل الأساسية والحد من أوجه عدم المساواة، ومدن ومجتمعات محلية مستدامة والاستهلاك والإنتاج المسؤولان، وأيضًا في العمل المناخي والحياة تحت الماء والحياة في البر والسلام والعدل والمؤسسات القوية، وأخيرًا عقد الشراكات لتحقيق الأهداف.

تُعدّ تونس من ضمن البلدان التي صادقت على هذه الأجندة، وتبنت أهدافها وتعهدت بالعمل على تحقيقها وانخرطت في المسار العالمي لتنفيذها بداية من سنة 2016.

وقد كانت تونس قد أقرت -قبل ذلك- جملة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية متعلقة بالتنمية المستدامة، تتمثل في تحفيز حس المسؤولية لدى المواطنين قصد توعية المجتمع المدني من أجل التنمية المستدامة، ودمج المواضيع البيئية في جميع قطاعات التنمية، وضمان تحولها الاقتصادي، مع مراعاة التوازن الضروري بين الموارد المتاحة والتكامل بين القطاعات، وإنشاء قطاعات جديدة ذات قيمة مضافة، مع ضمان النزاهة في توزيع ثمار التنمية مع إشراك الأطراف المعنية في صنع القرار في مجال التنمية المستدامة، وأيضًا ضمان مزيد من التضامن بين الطبقات الاجتماعية وبين الأجيال، كما أقر الدستور الجديد للبلاد في أكثر من موضع تأكيدًا لاهتمام تونس بالتنمية المستدامة، وذهب في فصله 129 إلى إنشاء هيئة دستورية سُميت هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة.

تعمل تونس -بالتعاون مع برامج أممية- على الوفاء بالتزاماتها تجاه العالم بتنفيذ أجندة 2030 من خلال إقرار جملة من الاستراتيجيات الوطنية المتعلقة بمكافحة تشغيل الأطفال، ومقاومة الاتجار بالبشر ومجابهة التغيرات المناخية وحماية البيئة، وأيضًا تحسين المرفق الصحي وتحقيق المساواة بين الجنسين.

مقابل ذلك تعرف البلاد يوميًا ما يُوحي بأن هذا العمل لا يتخطى كونه مجرد شعارات نخبوية، وإعلان نوايا زائفة إذ لم يبرز للعيان مجهودًا واضحًا للحد من الفقر؛ بل ما يحصل هو العكس تمامًا، فالهوّة بين الطبقات الاجتماعية تزداد، كما تسبب ارتفاع التضخم وازدياد الأسعار في توسع الطبقة الفقيرة على حساب انحسار الطبقة الوسطى.

مثّل حادث وفاة 15 رضيعًا في قسم المواليد بمستشفى الرابطة على بعد أمتار من مقر وزارة الصحة في الأسابيع الأخيرة، دليلًا آخر على أن ما يقال عن انخراط البلاد في مسار لتحقيق صحة جيدة للمواطنين والمساواة بينهم مجرد شعارات، إذ تعرف الصحة العمومية تدهورًا كارثيًا من حيث البنية التحتية، ونوعية الخدمات بالإضافة إلى هجرة الكفاءات الطبية للخارج، لتعرف البلاد في السنوات الأخيرة مشاكل عديدة مست مختلف المؤسسات الصحية على غرار ما كشفه تقرير دائرة المحاسبات التي تمثل القضاء المالي حول مستشفى عزيزة عثمانة، والذي كشف عن أرقام صادمة بعلاقة تزايد عدد الوفيات عند الولادة نتيجة مشاكل صحة ونظافة، وأيضًا ما تكرر من حديث عن ملفات فساد في القطاع آخرها ملف اللوالب الفاسدة، وكذلك انتشار أمراض -خلنا أننا بلغنا من التقدم ما يمكننا من الوقاية منها- إذ توفي مؤخرًا عشرات الأطفال في محافظتي القصرين وسيدي بوزيد بسبب مرض الحصبة.

واقع التعليم العمومي يخبرنا عنه لجوء التونسي للاستدانة بغية تسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة، بسبب تدني مستوى التعليم العمومي، وانتشار الظواهر الاجتماعية السلبية في محيط المؤسسات التعليمية العمومية على غرار انتشار العنف في الوسط المدرسي وانتشار الجريمة والمخدرات في صفوف التلاميذ، بالإضافة لما طرأ من ممارسات كارثية على غرار حادثة تحرش مربٍ بتلاميذه واغتصاب عدد منهم.

واقع الطفولة -ورغم اتخاذ جملة من التدابير والخطط وسن تشريعات جديدة هامة في مصلحة الطفولة- فإن ما تشهده البلاد من ارتفاع عدد المنقطعين منهم عن الدراسة الذي بلغ أكثر من 96 ألف تلميذ في السنة الماضية، وما نلاحظه في الشارع التونسي من انتهاكات متواصلة لحقوق الأطفال في مخالفات صريحة للتشريعات الوطنية والدولية والاتفاقيات الموقعة من قبل تونس، مثل تشغيلهم في سن غير قانونية وتكليفهم بأعمال خطرة يوحي بضعف جدية هذه التدابير وانعدام جدواها إذ بلغ عدد الأطفال المستغلين اقتصاديًا حسب دراسة أعدها المعهد الوطني للإحصاء 215 ألف طفل، منهم 136 ألفًا يشتغلون في أعمال خطرة.

أقرت تونس أيضًا جملة من الإجراءات المتعلقة بحماية البيئة ومجابهة التغيرات المناخية إلا أن الزائر للحوض المنجمي أو قابس وصفاقس يقف عند حجم الأضرار الكبيرة التي تخلفها اعتماد المواد الكيميائية في استخراج «الثروات الطبيعية» على صحة المواطنين وديمومة الحياة في تلك المناطق، دون أن يكون هناك توجه واضح للموازنة بين حاجة تونس لإنتاج تلك «الثروات» وحماية المواطنين من الانعكاسات السلبية لعملية الإنتاج.

الاستنزاف الحاصل للموارد المائية وانتشار عملية حفر الآبار بطريقة غير قانونية، وغياب رقابة الدولة على ذلك يدلل على أن حديث الدولة عن استراتيجية للمياه تهدف لحماية المخزون المائي ليس سوى حبر على ورق، أيضًا ما يشهده قطاع الزراعة من استنزاف للحبوب والمشاتل المحلية بسبب انتشار حبوب ومشاتل مستوردة من الخارج يتعارض مع ما تنشده أهداف التنمية المستدامة من حماية التنوع البيولوجي.

تتعدد مظاهر التعارض بين ما أقرته تونس من انخراط في تحقيق أجندة 2030 للتنمية المستدامة، وما يحدث على أرض الواقع، قد تكون الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تمر بها البلاد وراء ذلك كما يمكن اعتبار ضعف الوعي بهذه الأهداف والتواصل بين الأطراف ذات الصلة من أسباب ذلك، حسب ما ورد في تقرير دائرة المحاسبات المتعلق بمدى جاهزية الدولة التونسية على تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، لكن هذا لا يحول دون تثمين هذا التوجه وهذه المسؤولية في المساهمة بالجهد العالمي من أجل عالم أفضل خاصة المجهودات التي تقوم بها لجنة الصناعة والطاقة والثروات الطبيعية والبيئة بمجلس النواب بالتعاون مع المجتمع المدني وبعض الأطراف الحكومية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد