مع حلول المساء تغلق المحلات التجارية وسط العاصمة مبكرًا ويسارع الكثير من المواطنين خطاهم للانسحاب من شوارع العاصمة خاصة الشوارع الفرعية لشارع الحبيب بورقيبة وساحة برشلونة وساحة «البساج»، إنه مساء السبت ومع حلول الليل لن يعلوا صوت فوق صوت الحانات والمنحرفين و«الاكستازي» و«النشالة».

ليلة السبت 14 يوليو (تموز) 2018 وعلى الطريق السريعة المؤدية من العاصة إلى منطقة المروج، مجموعات من المنحرفين تغلق الطريق بالحجارة على مستوى منطقة حي النور وتنفذ عدة عمليات «براكاج» وتروع المواطنين بواسطة الأسلحة البيضاء، في نفس المنطقة (حي النور) معركة بين مجموعتين من المنحرفين تستخدم فيها السيوف والأسلحة البيضاء والغاز المشل للحركة، ليس ببعيد عن حي النور، وفي منطقة جبل جلود، معركة أخرى بين مجموعتين من المنحرفين يتعرض فيها أحد الأشخاص للطعن بواسطة «سيف» وتهشم فيها سيارات المواطنين، بعيدًا قليلًا على جبل جول وفي منطقة نهج الساحل بالوردية منحرفون يتسللون من منطقة حي هلال وينفذون عمليات «براكاج» بالغاز المشل للحركة وينسحبون من المكان ويعودون إلى أزقة أحيائهم غانمين سالمين، في منطقة حي الزهور لا يختلف الأمر كثيرًا منحرفون يستغلون الأشغال وينفذون عدة عمليات سلب للمواطنين، المشهد نفسه يكاد يتكرر في مختلف أرجاء العاصمة مواطنون يلازمون منازلهم باكرًا وشوارع تحت هيمنة المنحرفين.

ونحن نقوم بصياغة هذا المقال علمنا بقيام منحرف بتسديد ثلاث طعنات لعون أمن!

أنا شخصيًا كنت ضحية ثلاث مرات لعملية سطو تحت تهديد الأسلحة البيضاء في الطريق العام، وربما ذلك ما دفعني فعلًا لكتابة عديد المقالات بهذا الشأن وتسليط الأضواء على التهاون الأمني الذي ساعد على زيادة عدد المجرمين. إذ تسبب الفساد الذي ينخر جزءًا كبيرًا من مؤسستنا الأمنية وتلقي رشاوى لترك سبيل بعض المجرمين أو عدم الإمساك بهم رغم رفع قضايا ضدهم من قبل الضحايا. ولعل أخطر مثال على ذلك هي ما سمي إعلاميًّا هنا في تونس ببراكاجات الكرم التى راح ضحيتها أشخاص تعرضوا للسطو المسلح وللعنف الشديد لدى نزولهم من القطار في منطقة الكرم وهي منطقة شرسة قليلا ومعروفة باعتبارها نقطة ينفذ  فيها المجرمين عملياتهم.

ورغم أن الأمر وصل لحد سقوط أرواح من أجل بعض الدنانير أو هاتف جوال أو ساعة او بعض المصوغات وغير ذلك مما قل وزنه وغلا ثمنه. فإن رئيس مركز شرطة الكرم تستر بالتعاون مع أمنيين فاسدين آخرين على المجرمين بعد أن أخذ رشاوى منهم وكان المجرمون أحرارًا طلقاء رغم خطورة ما ارتكبوه، الشيء الذي تسبب في حالة يأس وغضب من قبل المواطنين والضحايا وعائلاتهم، ولم يتم فتح تحقيق جدي والقبض على رئيس مركز منطقة الكرم إلا بعد أن تم إثارة الأمر على وسائل الإعلام الشيء الذي دعا وزارة الداخلية التونسية لتتحرك للملمة الفضيحة.

كل التونسيين على قناعة بأن المؤسسة الأمنية حققت نجاحات كبيرة في الحرب على الإرهاب وضربته بيد من حديد في عقر داره، وتمكنت من تفكيك شبكاته وتفتيتها وإرباكها وشل تحركاتها، لا أحد ينكر التضحيات الكبيرة التي قدمتها المؤسسة الأمنية لإنقاذ البلاد من آفة الإرهاب، لكن اليوم هناك شعور عام بأن آفة الانحراف والجريمة أخذت تتفشى في مختلف أرجاء البلاد، اليوم الوضع أصبح ينذر بالخطر مع ارتفاع معدلات الجريمة، ويجب أن تضع المؤسسة الأمنية كل جهودها لفرض الأمن ومجابهة آفة الانحراف التي لا تقل خطورة عن آفة الإرهاب، على الأجهزة الأمنية أن تضرب بيد من حديد وأن تدخل إلى جحور المنحرفين ولن تجد إلا الدعم والمساندة من المواطنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد