الحالة السياسية التونسية أصابتها الكورونا لتنتصب في أنف السلطة التنفيذية إلى حناجر الحكومة برئاسة هشام المشيشي.

تعيش البلاد التونسية منذ مدة اضطرابًا سياسيًّا في تفاقم بين رأسي السلطة التنفيذية رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس الحكومة المختار من قبل رئيس الجمهورية هشام المشيشي، بعد تلاشي إلياس الفخفاخ الذي عجز عن مواصلة مساره الحكومي، باتهامه بتهمة تضارب المصالح الجارية التي أسقطته أخلاقيا وسياسيا، وهذا أتاح الفرصة الدستورية لرئيس الجمهورية لاختيار الشخصية الوطنية مجددًا التي بإمكانها تحقيق الاستقرار العام في البلاد، ومزيد العمل على افتكاك السلطة السياسية من الأحزاب انتقامًا منهم على فشلهم في التأثير إيجابًا على البلاد والوضع السياسي والاقتصادي، وقد طرحت مسألة التحوير الوزاري الذي طرح في البرلمان ووقع المصادقة عليه بأغلبية فاقت النصف من عدد النواب، وأكدت على تأسيس حزام سياسي لرئيس الحكومة.

هذا الحزام أساسه حزب حركة النهضة، قلب تونس، ائتلاف الكرامة وكتلة الإصلاح مشكلًا كبيرًا في العلاقة بين السيد المشيشي وسعيد، الذي اعتبر خائنا ومنقلبا على طرح قرطاج الداعي إلى عزل الأحزاب الأولى والتصدي لكل السياسات المطروحة من قبلهم، رغم أن النظام السياسي المختلط أكد على ضرورة التداخل والتأثير الإيجابي بين مختلف مؤسسات الدولة والسلط الثلاث لتحقيق الموازنة السياسية والديمقراطية فإن المنظومة الحزبية مع صعود قيس سعيد إلى الرئاسة وجدت نفسها أمام خناق سياسي وهو عدم التوازن الضمني بين المنظومة السياسية والنظام السياسي، وهذا أعاد طرح سؤال تغيير المنظومة السياسية والدستور بالأساس، فهل أن تغيير الدستور بإمكانه حلحلة العلاقة المتعكرة بين رأسي السلطة التنفيذية وبين رئيس الجمهورية والمنظومة الحزبية بقيادة حركة النهضة وقلب تونس.

قبل الإجابة عن هذا السؤال علينا أن ندرك أسباب تأسيس هذا النظام السياسي المختلف والظرفية التي أسست الدستور التونسي، فالصراع السياسي خلال فترة حكم الترويكا وأثار المنظومة النوفمبرية على الواقع التونسي كان قائما وهذا ما جعل من توزيع السلط وفق مبدأ الرقابة والتفاعل الإيجابي بين السلط حلا لتجنب أشكال الديكتاتورية التي عاشتها البلاد التونسية إلا أن التذبذب الحاصل في نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية وعدم حصول الحزب الحاكم على أغلبية كبيرة في البرلمان وفي قرطاج والقصبة مقر الحكومة في ظل قانون انتخابي أثر سلبًا في التوازنات السياسية أساسها الحزبية جعل من المنظومة السياسية تشهد اضطرابات متواصلة ومعارك عديدة أسست لفكرة خرق المنظومة الحزبية وإبعاد السلطة على البرلمان، وبالتالي على الأحزاب، وربما كان انتخاب قيس سعيد تبلورا لهذا التوجه المطروح في الشارع التونسي ونتاجا له، فالتقلبات السياسية وعدم الانتظام الحزبي الداخلي ساهم في إرهاق الفعل السياسي وتطبيق ملامح الفصول التي تدعو إلى توزيع السلط والحفاظ على الدستور.

دستور الجمهورية التونسية هو دستور ديمقراطي شكلا ومضمونا أسس لقيم التشاركية وضرورة الالتزام بما ورد فيه واجب على كل السلط أولها السلطة التنفيذية، فالنظام الديمقراطي يستوجب مشاركة الأحزاب وعلى رئيس الجمهورية الالتفاف نحو المنظومة الحزبية احترامًا لنتائج الانتخابات والتأثير إيجابا لتجاوز الخلافات بين الأحزاب، خاصة أن قيس سعيد مكنته الظروف الاستثنائية من تعيين رئيس الحكومة لمرتين متتاليتين، فالنتيجة الحالية يجب تحملها والهروب إلى الخلف مجرد خطوة واهمة لا يمكن تبريرها دستوريا بمسائل غير جوهرية وشكلية كأداء اليمين الدستورية، خاصة أن سيد رئيس الحكومة هشام المشيشي فهم دوره الأساسي في الحكم بتقدير التوازنات داخل قبة البرلمان وأثار السلطة التشريعية برئاسة الأستاذ راشد الغنوشي على خلق جو من الحوار النافع مثلما شهدته البلاد خلال فترة حكم الرئيس السابق الباجي قائد السبسي.

الوضعية السياسية في صدام حاليا، فالمشيشي هو حزام النهضة وقلب تونس والنهضة وقلب تونس الحزام السياسي لرئيس الحكومة، ويجب تثمين الثنائية بتقريب مصلحة البلاد على كل الحسابات السياسية التي تزعمتها أحزاب البقايا كالتيار الديمقراطي وحركة الشعب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد