إنّ العالم كما عرفناه ونعرفه ذاهب صوب التغيير. تغيير وإن بدأ يلوح منذ سنين مضت، فإنّ الجائحة الحاليّة جعلت من نفسها محفّزًا يسرّع هذه العملية. وهذا التغيير في اعتقادي يتجلّى في محاور أساسيّة ثلاثة هي: التفكّك، والحرب، والبناء. أتناولها تباعًا بالشّرح في هذا المقال ليكون الختام بموقف التّونسي وطريقة تعامله مع هذا التغيّر.

1. العالم يتغيّر نتيجة تفكّك القوى الاقتصاديّة الحاليّة (الاتّحاد الأوروبّي ومجلس التّعاون الخليجيّ مثالًا)

العالم يتغيّر منذ أن صار الاتّحاد الأوروبّي ليس اتّحادًا. تفكّك بلغ ذروته في مناسبتين اثنتين ارتبطتا تباعًا باليونان والمملكة المتّحدة. أمّا عن اليونان فإنّ مشاكلها الاقتصادية قد أعيت جيرانها وبقية بلدان الاتّحاد بين مؤيّد لطردها ومن هو ضدّه. القرض تلو الآخر، بالرغم من موقف ألمانيا الدّاعم لقرار الطرد بما هو موقف اكتسب شرعيّته لمّا عُلم أنّ اليونان قد زوّرت معيّة بنوك أمريكيّة ملفّها المالي الذي قدّمته بغية الانضمام للاتّحاد. وأمّا عن المملكة المتّحدة فهي برهان تفكّك فعلي للكيان قد جعل من المتفحّص مدركًا للصّراعات القوميّة بين الأوروبّيين كمواطنين وحملهم لمشروع الانقسام كحكوماتهم تمامًا: صراعات تجاوزت المواطن الأوروبي لتطأ الأجنبي طالبًا كان أو مقيمًا. وقد خطت فرنسا خطوات الانغلاق الأولى متمثّلة في رفع معاليم الانخراط الجامعي وخفض قيمة المنح فكان ذلك وسيلة تصد بها القادم الأجنبيّ من الطّلبة.

العالم يتغيّر منذ أن تحوّل أعضاء مجلس التّعاون الخليجيّ إلى «لا تعاون»، يحاصر بعضهم بعضًا جغرافيًّا وسياسيًّا. تغيّر جاء نتيجة طبيعيّة لاختلاف الرّؤى حول التّعامل مع الولايات المتّحدة وسياسة المال مقابل الأمن والغذاء. ديدن بعضهم يقول: العدوّ الذي يحميني أفضل من الجار الذي ينافسني وكراسيّهم قبل كرسيّ.

2. العالم يتغيّر نتيجة تصاعد حروب وصراعات جديدة

تاريخيًّا كانت الحرب العالميّة الثانيّة الحلّ الذي أنقذ أمريكا والبلدان المصنّعة للسّلاح من أزمة ثلاثيّنات القرن الماضي. حرب جديدة ستكون كذلك المخرج من أزمة اقتصاديّة تشهدها أمريكا والبلدان الأوروبيّة تفاقمت مع قدوم الجائحة وهي التي لم تتعاف بعد من الأزمة الماليّة لسنة 2008. والحرب هي ديدن الحكومات الأمريكية التي لم تنفك منذ أُولاها إلى صناعة عدوّ وهمي يلعب دور الفزّاعة التي تقلق راحة مواطنيها وحقّهم في الحياة فتكون الحرب ضدهّ مبرّرًا ومصدرًا لعائداتها. فها هيّ الفيتنام قد شهدت من الرّؤساء الأمريكيّين خمسة، زوّروا ما علمه الله من الحقائق، فاغتيل بعضهم، واستقال الآخر بعد ما لحقهم من فضائح جمّة نتيجة اكتشاف كذبهم حول هذه الحرب. وها هي العراق قد عرفت منهم الدّمار والخراب سنين طوال تحت تعلّة امتلاكها أسلحة دمار شامل. وكذا كان مصير كلّ من رأت في شعبه فرصة تسويق لقيمها المثلى وديمقراطيّتها العليا. حتّى أنّ المواطن الأمريكي قد تسلّح قبيل الحجر الصحّي بالسلاح في حين كان جيرانه الكنديّون يتسلّحون بأوراق المرحاض تأثّرًا بما نسجته الحكومات المتواليّة في ذهنه حول التهديد الخارجيّ المستمر لمواطنيها.

العالم يتغير منذ أن تغيّر اتجاه الضوء المسلط على الحروب من الشرق الأوسط إلى جنبيه: الشرق الأقصى، والمغرب الإسلامي.

أما عن الشرق الأقصى فالأنظار صارت تتجه أكثر نحو اضطهاد الحكومتين الصينيّة والهنديّة لمواطنيهم المسلمين. حروب ليست بحديثة الولادة (بورما مثالا) إلاّ أنّ حدّة الهجومات في تصاعد رهيب على المستويين الجغرافيّ والعسكريّ. تصاعد أراه أذانًا لحرب كونيّة عنيفة وجديدة تستهدف الأقاليم المسلمة بالهند والصين حفاظًا على تجارة الأسلحة التي قد تشهد انخفاضًا نتيجة تراجع الصّراع الليبيّ والأنباء المتداولة عن الانقلاب الروسيّ بسوريا.

الصّين كانت قبل الكورونا قد عرفت هجمة دوليّة ظاهرها الدعوة إلى السّلم وباطنها الضّغط لتعطيل أشغال طريق الحرير الجديدة. الجائحة وإن ثبّطت الهجمات عددًا وحدّة فإنها حتمًا ستعود أعنف وأشنع بعدها.

أمّا عن المغرب الإسلامي فهو يشهد تصاعدًا مخيفًا للمنادين بالقومية الأمازيغية. صراع وضع النّزاع المغربي – الجزائري على الصّحراء الغربية لبناته الأولى. فمتى سلّمت بأنّ سكّان المغرب الإسلامي لا يمكن تفرقتهم على أساس الدين إذ كلّهم مسلمون (عكس مصر، أو لبنان) ولا على أساس المذهب والطائفة إذ إنّ كلّهم سنّيون (عكس العراق، وإيران، وسوريا)، ولمّا أدركت أنّ الحاجة إلى تفرقتهم ملحّة حتى تسُد جئت بصراع جديد مبنيّ على القومية فيتصارع آنذاك دعاة الأمازيغية منها بدعاة العربية. وها هي ضغوط خارجية فرضت على الجزائر فرضًا اعتبار الأمازيغية لغة رسمية حفاظًا على تواصل اتفاقيّاتها الدولية. وما مشاهدة ذلك في تونس ببعيد.

العالم يتغير منذ فرّطت مصر للكيان الصهيوني في الغاز فصار المزوِّد مزوَّدًا فشهدنا ميلاد صراع جديد بين تركيا وهذا الكيان حول غاز المتوسّط ونقل الغاز من الكيان إلى بقيّة أوروبّا. صراع ترجم على أرض الواقع بالحاجة الملحّة لرسم حدود بحرية جديدة لمنع هذا النقل.

3. العالم يتغيّر بصعود تنظيمات جديدة

صاحب تفكّك واحتضار الكيانات الحاليّة والتّسارع نحو حرب كونيّة جديدة قوامها الصراعات الحاليّة ميلاد جملة من التّحالفات والتّنظيمات الجديدة. سأكتفي بعرض ثلاثة منها تختلف درجات ارتباطنا بها كتونسيين وتتفاوت. أما أولاها فهو ميلاد اتّحاد الدّول الإسلاميّة الخمس ديسمبر (كانون الأول) 2019 كلّ عضو منها سبّاق في مجال معيّن ويضم كلّ من ماليزيا، اندونيسيا، تركيا، باكستان، وقطر. الهدف منه هو الدّفع باقتصاد الدّول الأعضاء والدّول الإسلاميّة بصفة عامّة من خلال إنشاء عواصم ماليّة جديدة قائمة على عمولة مشتركة رقمية أساسا. جغرافيّا هذا الاتّحاد سيأثّر في كل حرب محتملة في الشرق الأقصى وآسيا عمومًا. اقتصاديًا سيكون لهذا الاتّحاد دور في تخفيف تبعيّة الدّول الأعضاء الاقتصاديّة للولايات المتّحدة باعتبارهم جميعًا عانوا منها بصفة مباشرة، أو غير مباشرة وبدرجة أقلّ التبعيّة الأوروبيّة. التحرّر الاقتصاديّ تتبعه طبيعيّا نهضة في بقيّة المجالات من ذلك الاستقلال العسكريّ والصناعيّ والعلميّ.

أما التنظيم الثاني وإن كان تأسيسه قديمًا نسبيًا 2002، فهو يشهد تغيّرات عدّة على مستوى سياساته وإستراتيجيّاته متوسّطة وبعيدة المدى. الدّعوة إلى وحدة حقيقيّة بين الأقطار الأفريقيّة من ذلك الاستثمار في البنى التحتيّة لربطها جغرافيّا واختصار المسافات ومناقشة إمكانيّة بعث جواز سفر أفريقيّ موحد، قمّة يناير (كانون الثاني) 2019، والدعوة إلى تفعيل الاتفاقيات التجارية وإمضائها على مستوى برلمانات الدّول الأعضاء، أو ما يعادلها من السّلط التشريعية، مثال: عرض اتفاقيّة تأسيس منطقة التّجارة الحرّة القارّيّة الأفريقيّة على البرلمان التونسي مارس (أذار) 2020. زد على ذلك أنّ أفريقيا ككل أصبحت الوجهة الجديدة لرؤوس الأموال والمشروعات المبتكرة، خاصة الرقميّة والفلاحيّة منها بما تحمله من رصيد بشري هام مبشّر بتطوير بنية تحتيّة واقعية ورقمية الشبه غائبتين أساسًا. (ارتفاع عدد الدول الأفريقية في قائمة الـ100 دولة الأُّول حسب مؤشّر ريادة الأعمال العالميّ واتخاذ جنوب أفريقيا وجهة رئيسية لتدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر FDI، فضلًا عن احتلالها المركز الثّاني أفريقيّا كأكبر اقتصاد أفريقيّ بعد نيجيريا). إعادة إعمار الجارة ليبيا التي تسير فيها الأوضاع نحو الهدوء والاستقرار، يعدّ كذلك أحد أضخم المشاريع الاستثماريّة على المستوى القارّي.

طريق الحرير الجديد هو ثالث التغيرات التي أعتبرها بِناءً في عالم متغيّر. كنت أشرت سابقًا لاحتمال تموقع الصّين كأحد أكثر الأطراف تأثيرًا في أي من الحروب القادمة في الشرق الأقصى. عملت في الأثناء على إعادة التموقع اقتصاديّا. من ذلك تقديمها أو لنقل فرضها لطريق حرير جديدة (فرض من خلال القروض والمساعدات التي أغرت بها الفقير من الدّول) يمكّنها من التغوّل أكثر وأسرع في مختلف الأسواق العالمية. مشروع يمكّن من ربط الصّين ببقيّة أنحاء العالم لتسهيل عملية توزيع السّلع وزيادة حجم مبادلاتها التجاريّة. سعت تباعًا للاستثمار في البنى التحتيّة من مرافئ وطرق وسكك حديديّة للبلدان التي تربطها الطريق الجديدة (68 دولة يصلها الطّريق الجديد برّيًا وبحريًّا منها: الباكستان، وماليزيا، وإندونيسيا، وتركيا، أي أربعة من أصل خمسة أقطار من الاتحاد السالف ذكره وجملة من بلدان السّاحل الأفريقي الشرقي ما يؤثّر في تونس بطريقة غير مباشرة باعتبارها، أي الطّريق، تشقّ البحر الأبيض المتوسط في اتجاه كلّ من قبرص، وإيطاليا).

4. تونس: أين تنتصر الأيديولوجيا على الوطنية

لا شكّ أن كل هذه المتغيّرات على المستويين الجيو-سيّاسي والاقتصاديّ في العالم يتطلب شيئا من الرّزانة والحكمة والاستقرار على مستوى السّلطتين التشريعية والتّنفيذيّة. رزانة تعتبر ركيزةً لدرس كلّ هذه المتغيّرات بتأنّ بغية رسم إستراتيجيّات جديدة تعيد موقعة تونس في العالم الجديد مستفيدة من كل تفصيل صغير يعود إليها بالنفع. وككلّ إستراتيجيّة تروم الرّبح مقصدًا وهدفًا يجب لزامًا حصر مواطن الخلل والضّعف في قديمها ثمّ الشّروع في اصطفاف جديد وحذر يأخذ بإيجابيّات وسلبيّات كل التغيّرات الآنف ذكرها وغيرها ممّا لم يسع له المقال. اصطفاف يكون قوامه حلفاء جدد يجعلون من تونس قطرًا فاعلًا في رسم ملامح عالم جديد يقوم على أنقاض الحاليّ.

جملة من التّساؤلات التي تطرح نفسها تتعلق بموقف التونسيّ وتصرّفه إزاء هذه التغيّرات. هل أنّ التّونسيّ أخذها بعين الاعتبار قبل اتخاذه لأي نوع من القرارات الفرديّة أو الجماعيّة؟ بل هل هو على علم بها أصلًا باعتباره لا يُري غيره إلّا ما يرى وما يعود عليه بالنفع، ما ضرّه في ذلك أن تكون تونس خرابًا؟ الإجابة مؤسفة، بل مخجلة.

متى رميت نظرك صوب السّياسيين من السّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة (باعتبارهم المشرفين المباشرين على رسم الإستراتيجيّات المذكورة) أدركتَ أنّ لهم داءً لا يبرأون منه هو العمى الأيديولوجيّ. عمىً جعل من تونس وتقدّمها كوطن للجميع في ذيل اهتماماتهم. كتل برلمانيّة متصارعة ومؤسّسات سيّاسية متكالبة جعلت من تخوين الآخر إدام كلّ لقاء. النتيجة: رفض بالجملة لاتفاقيّات كانت تمثّل مفتاحًا تلج به تونس عالم المتغيّرات على المستوى القارّي والدّولي. فهذه كتلة ترفض احدى الاتفاقيات زعمت بفعلتها تربية خصومها السيّاسيين حتى يجعلوا لها من القيمة مكانة عليا. وها هي كتلة أخرى ترفض اتفاقيّة ثانيّة لأنّها ستعود بالنّفع لبلد تعتبره عدوًّا أيديولوجيًّا يجب استئصاله وقطع كلّ علاقة معه (قد غاب عنّي توزيع الحلفاء الحاليّين للدّولة الذّهب والفضّة على التّونسيين فلا حاجة لنا بغيرهم أو ربّما شمل التّوزيع البعض منهم ممّن لا معرفة لي بهم). وها هي ثالثة تُرفض لأنّها تحمل في نصّها إمضاء الكيان الصّهيوني.

ولا حاجة للتّأمّل أو التبصّر لتدرك أنّ مرض العمى الأيديولوجيّ وأنّ حميّة الجاهليّة ليست حِجرًا على القيادات في صلب السّلط ورؤوسها، بل تجاوزتهم لتصيب العامّة من النّاس أي قواعدهم. بل إنّ عمى هؤلاء أفظع علامات وتجلّيات. تراهم لا يتناولون بالحديث والنّقاش إلاّ المسائل التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فلا هم نفعوا، ولا هم انتفعوا. تجد أكثرهم يتبنّى الديمقراطيّة نظريًّا أيّما تبنّي ويدافع عن حقّ الاختلاف أيّما دفاع حتى حسبتهم رُسلَ كلّ ما تميل له النفس من القيم. بيد أنّ الفشل يكون نصيبهم في أوّل امتحان حقيقيّ مع المخالفين لهم.

عندئذ تصير الدّيمقراطيّة عندهم حكمًا أحاديّ الوجه، أي أنه لا يحكم إلا من يمثّلني أيديولوجيًّا، فمتى تعذّر ذلك افترشنا من الفوضى طريقًا ننال به مرادنا ومبتغانا. نعم هي الفوضى التي تترجم بالدّعوات المتكررّة لحلّ البرلمان، وأخرى لتنحية رئيسه، وثالثة تخصّ تغيير نظام الحكم، فكأنّ من أتى بمن يريدون خلعهم حبّات بطاطا لا وزن لها، ولا تمثّل صوت الأغلبيّة الشّعبية. لسان حالهم يقول: أنا الجماعة، ولو كنت وحدي فلا داعيّ إذًا أن يحكم معيّ أصحاب الأغلبيّة البرلمانيّة، فليس ذلك بحقّ لهم؛ فالرأي رأيي، والقول قولي بالرغم من الجميع. فمتى حدّثتهم ورُمت نصحهم وبيان الخطأ عندهم أطربت قياداتهم أذنيك، ومتّعوها بوصلات موسيقيّة تذاع كلّ لجنة عامّة تحت قبّة البرلمان.

أدعكم مرّة أخرى مع جملة من التّساؤلات ملخّصًا ما سبق ذكره وداعيًا الحُصفاء من القرّاء إلى التأمّل. هل هذا هو الاستقرار السياسيّ المنشود الذي تطلّبه المرحلة وحساسيتها؟ هل بمثل هذه الظروف نسعى لبناء تونس جديدة فاعلة إقليميًا ودوليًّا؟ ما ضرّ البعض أن أتى للحكم من يخالفه متى أدرك أنّ بقيّة الأطراف تمثّل حاجزًا يمنعه من التفرّد بالحكم؟ أليس الأجدر أن يقف الجميع وقفة رجل واحد متى أدركنا ما يعصف بالعالم من متغيّرات لا نعلم نصيبنا منها أحرب وتفكّك أم بناء؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تونس, عالم

المصادر

تحميل المزيد