«لقد فقدنا كل أمل في التغيير، هذه البلاد لا تنتج إلا القوالب المعلبة، والأفكار المتكلسة، وتقتل الحلم والكلمة… ولا شيء بعد ذلك…»

بمرارة في الكلمات وبنبرة حزينة بائسة، بدأ أحمد كلامه معنا. هو أحد الشباب الذين التقيناهم في جولتنا في ولاية صفاقس في الجنوب الشرقي التونسي، أحمد مثل العديد من الشباب التونسي عاطل عن العمل رغم أنه متحصل على شهادة جامعية منذ سنوات وهو أيضا ناشط في المجتمع المدني.

البطالة والشباب

تبلغ نسبة البطالة العامة في تونس حسب المعهد الوطني للإحصاء 16.7%، في حين تجاوز عدد المعطلين عن العمل الحاملين لشهادة جامعية 600 ألف. ويزداد الوضع سوءًا في 2020، خاصة مع أزمة الكوفيد وتراجع نسبة النمو الاقتصادي التي لن تتخطى نسبة 12% سلبيًّا؛ وذلك حسب آخر بيان للحكومة التونسية.

عندما التقينا به، كان أحمد يجلس مع صديقيه، رامي وجلال، وهما من المعطلين عن العمل أيضًا، في مقهى الحي، ذلك المقهى الذي يجمعهم كل يوم ويعيد نفسه بكل تفاصيله كما يقول أحمد ساخرًا: «أظن أن الزمن توقف هنا عن الدوران، كل الأيام تتشابه وكل الصور تفاصيل قديمة».

ثورة وأحلام تلاشت

لم يكن من الصعب النبش فيما يحمله الأصدقاء الثلاثة من يأس وغضب واحتقان، حتى يبوحوا بكثير من الألم الذي لا يخلو من عبارات ساخرة عن تفاصيل شباب آمن بالثورة وبكل ما حملته من آمال وأحلام بدت تتبخر شيئًا فشيئًا. «لقد شاركنا في الثورة وخرجنا إلى الشارع وصدقنا كل ما حملته من وعود، كنا نأمل في حياة كريمة تضمن العمل والصحة والتعليم، نحلم بمشروعات وبنى وفرص للحياة على مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية، ولكن ما الذي صار؟ زادت فقط أعداد الأحزاب والحكومات، حتى الانتخابات، لم نعد نؤمن أنها قادرة على أن تغير من هذا الواقع شيئًا، فلم نجنِ من الأحزاب غير الوعود الكاذبة»، هكذا يقول أحمد معلقًا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي يتخبط فيه الشباب التونسي بعد ثورة 14 يناير (كانون الثاني) التي أطاحت نظام بن علي.

«10 سنوات مرت منذ الثورة، ولا شيء تغير، بل العكس، ساءت أحوال الشعب وأصبح الفقراء أكثر فقرًا والجياع أكثر جوعًا، كل الأموال والمساعدات والتشغيل أصبحت توزع حسب الولاءات الحزبية والفساد عم البلاد، حتى الحرقة أصبحت حلمًا لنا»، هكذا حدثنا جلال وهو ينفث دخان سيجارته ويترشف بقايا قهوة سوداء، «5 كيلو الحرقة يا صاحبي، منين يا أولاد؟ حتى الدخان قطعوه أولاد، بلاد الموز والكاكي، حالتنا متعبة يا صاحبي»، بهذه العبارات من العامية التونسية تكلم بكل عفوية رامي. «أودعنا مئات المطالب وشاركنا في العديد من الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات، لكن بدون جدوى، لا حياة لمن تنادي، هذه الحكومات لا ترى ولا تسمع، أش نعملوا، نحنا طالبين الخدمة وعيشة كيف العباد، وإلا خلونا نحرقوا ونهجوا».

لم نكمل حديثنا مع الأصدقاء الثلاثة إلا وقد التحق بنا العشرات من أبناء الحي، كلهم يحملون التعب نفسه والسخط والغضب، «هاته الثورة لم نجنِ منها غير مزيد من الوعود والتهميش والبطالة»، هكذا عبر الكثير منهم، هم لا يخفون رغبتهم في الحرقة والرحيل من هذا البلد بحثًا عن فرص للعيش والحياة.

ودعنا أحمد وتركناه مع أصدقائه رامي وجلال، هم يستعدون رغم كل شيء إلى القيام بحملة تعقيم لمدرسة الحي «يد تبني ويد تطالب»، هكذا قال لنا الأصدقاء الذين يقومون بالعديد من الأنشطة المماثلة من أجل حياة أفضل وأجمل في حيهم. هم يؤمنون بأن المجتمع المدني قوة إنجاز وتغيير من دون أكاذيب وإسفافات السياسة والأحزاب.

تعم تونس منذ بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) موجات من الاعتصامات والاحتجاجات الشعبية على خلفية مطالب اجتماعية بالتنمية والتشغيل، أحمد وأصدقاؤه من الشباب الذين التحقوا بأحد التنسيقيات الجهوية، مصرون هذه المرة على المطالبة بحقوقهم رغم كل شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد