بعد 10 سنوات من الثورة التونسية التي كانت أهم مطالبها حرية التعبير، والتي أسقطت نظامًا ديكتاتوريًا طغى على تونس وانعدمت فيها الآراء المخالفة أو المعارضة لحكامه، ها نحن اليوم نشهد ممارسات مشابهة لتلك التي سبقت 2011، من خلال حملة تكاد تكون غير مسبوقة من التضييق والتتبعات التي تطال ناشطين ومدونين وصحفيين عبروا عن آرائهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر مقالات وأعمال صحفية تم نشرها. والأمر لم يقتصر على التضييق والتتبع فقط بل كان أيضًا عبر مشاريع قوانين تقدمها بعض الأطراف الحزبية اعتبرت خطرًا على مكاسب الثورة وعلى حرية التعبير ومن شأنها أن تمس من قيم الديمقراطية والحرية في وطن يحمي حرية الأفكار والتعبير دستوريا ويعتبرها مكسبا لا يمكن المساس به.

منذ مدة أصبحنا تقريبًا نرى بشكل يومي قضايا وتتبعات قضائية تطال ناشطين في المجتمع المدني ومدونين بسبب تعبيرهم عن مواقفهم من قضايا معينة أو نقدهم لسياسات بعض المسؤولين، فحسب آخر تقرير نشرته منظمة العفو الدولية تحت عنوان تونس: ملاحقات قضائية جنائية بسبب التعبير على الإنترنت-واقع القوانين البالية والمعيبة المستخدمة لتقييد حرية التعبير في تونس، لتكشف عن تعرض أكثر من 40 تونسيا وتونسية إلى الملاحقة القضائية على خلفية نشر آراء أو انتقادات لأحد أجهزة الدولة أو ممثلي السلطات المحلية أو الجهوية أو المركزية، إضافة إلى نشر آرائهم الخاصة سواء تجاه الأديان أو الجسد أو الأفكار التي لا تتبنى العنف أو تحرض عليه، وإن كانت ساخرة وحادة مثل هذه التقارير الصادرة اليوم من منظمات دولية قد تمس من مكانة الدولة التونسية على الصعيد العالمي وترتيبها في جدول الدول التي تحترم الأفراد وتكرس مبادئ الحرية. هذا التقرير يعكس حقيقة الوضع الحالي الذي لا يبشر بخير ويوحي بتوجهات النظام التي تسعى لمحاولة العودة إلى الوراء والعودة إلى سياسة تكميم الأفواه والتضييق على الأصوات المدافعة على قضايا قد لا تعجب النظام أو الموالين له.

في الفترة الأخيرة شهد مجلس نواب الشعب ارتفاعًا في وتيرة مشاريع القوانين التي طرحتها أطراف سياسية أو حكومية، منها قانون زجر الاعتداء على الأمنيين الذين يعتبر من أخطر هذه المبادرات والذي اعتبرته مجموعة كبيرة من المنظمات الحقوقية والجمعيات محاولة لتكريس نظام قمعي يرتكز على قوة البوليس وإفلات قوات الأمن من العقاب، واستباحة المسّ من حقوق الإنسان والحريات، خاصة في ظل تتالي اعتداءات بعض أفراد الأمن التي تكشفها شهادات مصوّرة على مواقع التواصل الاجتماعي بين الفينة والأخرى، عدا عن انفلاتات النقابات الأمنية. فتتالت البيانات المنددة بهذا القانون سواء كانت من جمعيات تونسية أو دولية، ومنظمات نقابية مثل الاتحاد العام التونسي للشغل أو نقابة الصحفيين أو جمعيات أخرى مثل جمعية القضاة التونسيين وجمعية المحامين الشبان، هذا الإجماع بالتنديد والرفض حعل الحكومة في موقف محرج مما اضطرها لسحب القانون بحجة تعديله نظرا لما لقاه من انتقادات لعدم دستوريته ولتعارضه مع قيم الإنسانية وتناقضه مع القانون الدولي العام.

في خضم كل هذا التوتر وتصاعد للممارسات الحكومية التي يمكن اعتبارها ممارسات مخيبة لآمال التونسيين ومشرعة لقمع الحريات ومقننة للعنف البوليسي والساعية لتكميم الأفواه والتضييق على الشعب التونسي، جاء الدور على السياسيين ليتم اقتراح مشروع يتعلق بالاتصال السمعي والبصري المقترح من كتلة ائتلاف الكرامة والمدعوم من الأغلبية البرلمانية المتكونة من حزبي قلب تونس وحركةالنهضة، هذه المبادرة التي كان الهدف منها تنقيح المرسوم 116، هذا المشروع الذي يتضمن تعديلات متعارضة مع روح الدستور والتزامات الدولة التونسية في مجال حماية حرية التعبير والإعلام من خلال تعديلات تتعلق بتركيبة الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري الحالية و تجديدها من جهة، وحذف صلاحية إسناد الإجازات لإحداث القنوات التلفزية من قبل الهيئة وإقرار مبدأ مجرد التصريح بالوجود من جهة ثانية. هذا المشروع لقي رفضا واسعا من الأطراف المعنية وأهل الاختصاص ونخص بالذكر النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والجامعة العامة للإعلام التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، باعتبار أنه يشرّع للفوضى في قطاع الإعلام ويفتح الباب أمام المال الفاسد والمشبوه لمزيد التغلغل في المشهد السمعي البصري وإفساد الحياة العامة وضرب قواعد التنافس النزيه ومبادئ الشفافية والديمقراطية.

هذه الممارسات والتشريعات تمس الحريات والديمقراطية في تونس وتجعلنا اليوم نتساءل عن المستقبل وهل أننا اليوم أمام نظام يسعى حقا لتكميم الأفواه وفرض قبضته على الشعب التونسي من خلال التهديد والتتبع القضائي والزج بالتونسيين في السجون لمجرد أفكار وآراء وبمشاريع قوانين تمس من مبادئ الديمقراطية وتمهد الطريق لتأليه المنظومة الأمنية وتقديسها، وكذلك حتى من خلال سعي أطراف سياسية لوضع يدها على قطاع الإعلام. تونس بعد الثورة لم تحقق المأمول من نمو اقتصادي أو تحسين للوضع الاجتماعي، لكنها بقيت الاستثناء في مجال حرية التعبير والديمقراطية لكننا نقف اليوم أمام فرضيات عديدة لعل أبرزها توجه الحكومة نحو مزيد من التضييق وتوجه بعض الأطراف السياسية لمحاولة بسط نفوذها مما يهدد مكانة تونس العالمية في حرية التعبير، بعد أن كانت النقطة المضيئة في العالم العربي في وقت يكاد ينعدم فيه مصطلح الديمقراطية داخل هذه الأوطان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد