ليس من الأهمية بمكان أن يكتمل انقلاب تونس أو يفشل، لكن ما أحدثه انقلاب تونس هو تساقط آخر أوراق التوت عن مزاعم ديمقراطية النظام العالمي البئيس، حزب النهضة في تونس لا يمثل أية حقيبة وزارية في الحكومة الحالية، ولا يمثل أكثر من ربع أعضاء البرلمان.

بما يعني أن سعي الإمارات العبرية والسعودية والسيسي للتمكين للانقلاب في تونس، يعبر عن انكشاف الوجوه القبيحة التي تعمل لصالح المنظومة العالمية والنظام الصهيو-أمريكي.

لقد خجلت كل الدول الأوروبية من تأييد الانقلاب حتى الآن، رغم تورط فرنسا في الانقلاب، لم تستطيع أي دولة حتى اليوم الإعلان الرسمي عن قبول الانقلاب، لانه ببساطة ليس انقلابًا على حزب النهضة ولا على الإخوان المسلمين، العدو اللدود للإمارات العبرية والسعودية والسيسي.

إن حجم التنازلات المسبقة على مدار عشر سنوات مضت، لم يعطِ فرصة للفرح بإنجاز انقلاب في تونس.

بقي حزب النهضة دائمًا خلف صفوف جميع أطياف المجتمع التونسي والأحزاب، ولم يتقدموا للسيطرة على الحكم رغم النجاحات التي حققوها في الانتخابات، ودخلوا مع جميع الأحزاب السياسية في مواءمة كبيرة تستوعب الجميع وتتفهم طبيعة المشهد السياسي التونسي والدولة العلمانية التي هي أكثر علمانية من تركيا في عهد أتاتورك.

أنتجت تلك الممارسات اليوم رفضًا سياسيًّا للانقلاب من كل الأحزاب والمؤسسات، حتى رئيس الوزراء قد تم احتجازه في قصر قرطاج والتعدي عليه بالضرب من أجل قبول قرارات الرئيس وتأكيد الانقلاب.

ورغم الضرب المبرح الذي تعرض له على يد ضباط مصريين في قصر الرئاسة التونسية، فإنه خرج بتصريح لايؤيد فيه الانقلاب، وفي الوقت نفسه لم يقبل أن يكون متعاونًا مع الرئيس قيس سعيد في المرحلة المقبلة، واكتفى بالتصريح: لن أكون عائقًا في أي قرار يتخذه الرئيس، وسأقوم بتسليم رئاسة الوزراء للشخص الذي يحدده الرئيس.

العالم في حرج شديد، وفي الوقت نفسه فإن أقصى ما قد تصل إليه الحالة التونسية هو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، ولن يخسر حزب النهضة في تلك الانتخابات، وسيكون أحد أضلاع المشهد السياسي التونسي.

الشعب التونسي ليس مع الرئيس المنقلب ولا مع الحكومة ولا مع البرلمان، وعلى الشعب التونسي أن يعيد اختياراته في الانتخابات القادمة.

لم يترك حزب النهضة لمحور الشر مساحة للتحرك فيها، وإن أفراح الإعلام في مصر والسعودية والإمارات ما هي إلا جزء من العمل على إحباط الشعوب العربية ونشر حالة من اليأس والإحباط لدي الشارع العربي.

ما زالت هناك حمرة الخجل التي تمنع الاتحاد الأوروبي وأمريكا من تأييد الانقلاب في تونس، حتي اليوم.

المناكفات السياسية والصراع الداخلي، لم ينتج منه أي إنجاز اقتصادي يرفع من شعبية حزب النهضة، ويزيد من تمسك الشعب التونسي به في الانتخابات.

إن عدم تحقيق أي طفرة يشعر بها المواطن خلال عشر سنوات مضت، لايصب في مصلحة حزب النهضة مستقبلًا.

الانسحاب من الشارع وعدم المواجهة كان قرارًا صائبًا بامتياز، وهو ما يعطي الفرصة لالتقاء شركاء ثورة تونس في مراجعة الموقف السياسي.

لم يحدث أي صدام من حزب النهضة مع جميع مؤسسات الدولة، وقرار عدم التصادم، أعطي مزيدًا من تعقيد الموقف الذي يتبناه قيس سعيد، وليس عنده ما يسوقه مبررًا لقراراته.

لم تكن الممارسة السياسية والتعاطي معها في الدول العربية واحدة، بل إن كل دولة تتميز بالخصوصية الشديدة في المعالجة والرؤية.

لكن العدو واحد في كل الدول العربية، لذلك فالنتيجة تكاد تكون واحدة في النهاية، لعجز العدو في التنوع في التعاطي مع طبيعة المشهد السياسي.

الحركة الإسلامية في نهاية المطاف كشفت النظام العسكري البوليسي من جميع زواياه، وتركته عاريًا لا غطاء له.

كشفت أيضًا العلمانيين والديموقراطيين.

رغم ظاهرية الخسارة في كل المشهد السياسي العربي، فإنه مقدمة لنهاية حتمية للنظام العالمي.

لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد