مرت عشر سنوات على البداية، لم تصل تونس قط، ومع ذلك يتعامل المجتمع مع الثورة بطريقة فلكلورية تجعل منها منفصلة عن الواقع وقابعة في تاريخ مضى، وكأنها قطعة قيمة متروكة في متحف الذاكرة. في حين أن الثورة حركة يجب أن تستمر كل يوم إلى ما لا نهاية. الشعب لا يتذكر هذا إلا يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) أو 14 يناير (كانون الثاني) وكأن الأمر قد انتهى، ينسى الجميع هذا رغم أهمية وحساسية هذه المرحلة التى نعيشها، ورغم أننا في المسار الصحيح الذي نتجه فيه.

من الواضح أن كل الأطراف شعبًا وحكومة قد توقفوا عن السير قدمًا، الاستمرار أمر مرهق ويكلف الكثير، لكن التراجع سيكلف أكثر، سيكلف صوت الحق وسيكلف الحرية. الشعب اليوم أحوج ما يكون إلى إحياء الثورة إلى التذكر إلى التحرك ودفع البلاد إلى الأمام والحرص على عدم تحويل وجهتها نحو المجهول أو إلى الوراء.

تونس بعد الثورة ليست مكتملة، تعانى تداعيات تاريخ وسياسات مستبدة لن تتعافى منها بسهولة، ومن البديهي أن تعترض البلاد أزمات وعراقيل اجتماعية واقتصادية، خاصة في ظل ما يشهده العالم من أزمات على كافة القطاعات. لكن يجب أن ننظر إلى أن تونس قد قطعت شوطًا مهمًّا إلى الأمام؛ حيث نجحت في تكريس نظام ديمقراطي والمحافظة على السير في نهجه على إثر الانتخابات سنة 2011 و2014 و2019 في ظل هيئات رقابية، كالهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وبنسب مشاركة مهمة من الشعب.

كما نجحت في افتكاك أهم مكسب وثاني مطلب من مطالب الثورة، وهي الحرية، وخاصة الرأي والتعبير والصحافة، وقد حققت تونس بفضل هذا، حسب تقرير الأمم المتحدة، المرتبة الأولى عربيًّا في حرية الصحافة. وهو حق مكن المواطنين من ممارسة الرقابة والمحاسبة بتسليط الضوء على أداء الحكومات المتعاقبة والمشاركة في اتخاذ القرارات في الحياة العامة والنظر في القوانين والدستور بما يكرس لإرساء قيم الحرية والعدالة. لذلك لا بد من التواصل في أداء هذا الدور الرقابي والبقاء داخل المشهد العام ومعايشة الوضع من قبل جميع الأطراف سواء من المواطنين أو من المنظمات أو من أفراد المجتمع المدني ومواقع الدراسات، التي أثبت على قدرتها على التأثير في المشهد العام وتطويره. وفي هذا الإطار نجد عديدًا من التظاهرات والمبادرات من قبيل مبادرة «مناظرة». تنظمها نخبة شبابية، تهتم بتتبع وقراءة الأوضاع في تونس بعد الثورة عبر عديد الأطروحات الإشكالية الخاصة بالشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والي ترحب بمشاركات الشباب وتتيح لهم الفرصة لإبداء آرائهم وأفكارهم حول ما يحدث في تونس.

وانطلاقًا من هذا يجب هنا تأكيد أهمية مشاركة المواطن في التغيير وتقييم الوضع، وأن من حقه أن يحاسب الحكومة، وحتى أن يطالب برحيلها ما لم تلتزم بمبادئ الثورة والمسار الديمقراطي الذي قرره الشعب. وذلك إما بالدعوة إلى انتخابات مبكرة، وإما دفع الأطراف الحكومية، التى تهدد حقوق وحريات الشعب، على الاستقالة من مهامها، لأن تخاذل الطبقة السياسية والأحزاب الحاكمة وتغاضيها عن الشأن العام ومصلحة الشعب هي أولى خطوات التراجع إلى الوراء وإخماد الثورة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد