بحسابات التفاضل والتكامل، وإثر القيام بحل المعادلات السياسية لفترة الانتقال نحو الديمقراطية والتي توشك على طى صفحة العقد الأول من عمرها، نجد أن المساحات ومراكز الثقل قد شهدت تحولات هامة على مستوى الطول والامتداد والعمق، فبعض الفاعلين السياسيين قد غير إحداثيات تموقعه على سلم الممارسة الديمقراطية، والبعض الآخر خير البحث على مساحة أكبر حجمًا وأعظم عمقًا كآلية أو تكتيك لضمان حيازته على نقطة الارتكاز المحورية، ألا وهي السلطة.

هذه المعادلات لم تحرر الممارسة الديمقراطية في تونس، ولم تقدم الحل النهائي لمعظلة شديدة الخطورة على مستقبل البلاد سياسيًا واجتماعيًا، وفي نفس الوقت تحمل بذور الفناء للفاعل السياسي نفسه. وتتمثل في غياب نخبة منسجمة مع واقعها وقارئة جيدة لنبض الشارع المتحرك والمطالب بالمزيد من جرعات الحياة الكريمة والطامح إلى أن تصوغ له نخبته معادلة تجمع بين المطلب الديمقراطي والاستحقاق الاجتماعي – الاقتصادي. بصورة أوضح أن يعيد هندسة المكان ليموضع إنسانًا ثار على ماض لم يحقق له بالأمس ما يطالب به اليوم.

هذا الأمر مضافًا إليه الواقع السياسي زائد النخبة الممسكة بشروط اللعبة السياسية، يجعلنا نهتم بتشريح أوضاع هذه النخبة التي تستحق صفة المتكلسة نعتًا وحالًا وتشبيها، ومن جهة أخرى الواقع الملغم والملغوم والمستعد لاستقبال معارك سياسية قادمة.

أولًا: نخبة متكلسة

بداية نذكر بأن مسألة النخبة وعلاقتها بواقعها، مثلت ولم تزل موضوع أبحاث سوسيولوجية وفلسفية عميقة، والمقاربات تختلف وتتعدد بحسب آليات التحليل.

قرأنا كثيرا لأدبيات الثورة ودور النخبة، واستقرت الأغلبية الساحقة لهذه الأطروحات على فكرة أن النخبة هي نتاج للمجتمع، وفي لحظة من لحظات تطور هذا المجتمع وإستجابة للشروط الموضوعية لهذا التطور، تتسلم هذه النخبة دور قيادة المجتمع فيصبح هذا الأخير نتاجًا لها.

بالعودة إلى تونس، فعندما نتحدث على نخبة، فإننا نقصد في المقام الأول، القيادات السياسية أو لنقل الفاعل السياسي، سواء المعارض أو المتحوز على جانب من السلطة. هذه النخبة لم تكن نتاجًا للمجتمع التونسي بقدر ما كانت نتاجًا لسلطة ما قبل الثورة.

الفاعل السياسي في تونس لم يزل حبيسًا لأيديولوجيا الفرد الواحد والحزب الواحد، وفي أحسن الحالات جبهة يقودها الشخص الواحد. هذه الإستراتيجيات تعبر على سطوة الفكر المنبت والبعيد كل البعد على الممارسة الواقعية للنخبة التي نتوقع منها أن تكون الحامل لإرادة الشعب والممسك بمقاربات وآليات التغيير الديمقراطي والإصلاحات العميقة للجسم المجتمعي ولمؤسسات الدولة. لكن الصورة لا تلامس هذا الوصف مطلقًا، ذلك أننا لم نزل نستمع إلى خطابات الإقصاء، والتفكير المستند إلى أطروحات لم تعد تستجيب لشرط الواقع بمنطق المراكمة العلمية، وتغير براديغمات التحليل، والمقصية لشرطى الإنعكاس والتفاعل الملازمين للفعل السياسي.

النخبة في تونس لم تتخلص بعد من تراكمات السلطة القديمة والتي طبعت الذهنية العامة وخلفت تركة ثقيلة جدًا تتمثل في عدم التعود على التعامل مع الدولة كجسم ثابت في مؤسساته، لكنه متحرك في هيكلة هذه المؤسسات، بمعنى لم تستطع النخبة التي استلمت مهمة تسيير الشأن العام بعد الثورة أن تضفي القدرة والنجاعة على هذه المؤسسات، وهذا مرده أن هذه النخبة لم تستوعب، أو لم تحاول استيعاب شروط اللحظة التاريخية التي عاشها الشعب التونسي، وهذا يعود إلى الجمود الفكري والعجز المميز للنخبة التونسية.

فلو قمنا بجرد للأطروحات التي قدمها هؤلاء الفاعلون، لوجدنا الحاصل هزيلًا جدًا، بالمقابل نعثر على عناوين كبرى لمعارك التهمت الوقت والجهد والمال منها معارك الهوية، الميراث، النمط المجتمعي.. حيث إن هؤلاء المتخاصمين (ونقصد النخبة) قاموا بجر الثوابت المجتمعية التي أصبحت بمثابة المقدس بالنسبة للمجتمع التونسي نحو ساحة المعركة تاركين القضايا الحقيقية في غرفة الإنعاش الثوري.

كل ذلك إنما يعبر عن انتهازية سياسية والتي بدورها تمثل تكثيفًا للتكلس الفكري وتعطل ملكة الحس السليم لدى النخبة التونسية، فنجد يمينًا يحتل مكان اليسار بقضايا العدالة الاجتماعية، ويسارًا يحتل مربع اليمين بقضايا الوحى الثوري والطهورية الساسية وتقديس مرجعياته الفكرية، أما الوسط فهو بطبعه واحترامًا لماضيه يجلس في الحديقة الخلفية للدولة.

ثانيًا: أرض ملغومة

ربما كنا نستطيع إيجاد توصيف آخر للواقع التونسي، لكننا خيرنا التمسك بوصف «الأرض الملغومة» لأن الحديث على الواقع التونسي بأبعاده السياسية –الاقتصادية – الثقافية والاجتماعية، يجعلنا نصف الوضع كما هو حتى لا نسقط في التهوين من خطورة ما يمكن أن تؤول إليه الأمور.

الذي يهمنا في المقام الأول هو الوضع السياسي؛ ذلك لأن السياسة هي التكثيف الأقصى لما هو اجتماعي وغيره من باقي المجالات.

السياسة في تونس تعيش أزمة تلو أخرى ويقع تأجيل الحل النهائي في كل مناسبة جدية للنقاش، حيث تجنح النخبة نحو بناء توافقات هشة ومؤقتة تطيل عمر الأزمة وتعمق الشرخ أكثر فأكثر. تعاقب الحكومات والتداول على السلطة في فترة انتخابية واحدة، لا يدل على تجذر الممارسة الديمقراطية بقدر ما هو نتاج لأزمة ثقة وفشل على إدارة الدولة بصفة جماعية؛ لأن الفاعلين السياسيين ليس لديهم ما يخسرون سوى مراكز نفوذهم.

هذا التداول على السلطة خلق نوعًا من الممارسة ميزتها تداخل المال بالسياسة وصراع الملفات القضائية الجاهزة؛ مما أربك السير العادي لدواليب الدولة وتعطل صدور القرارات المهمة، والتي قد تسهم في نوع من التغيير.

من جهة أخرى، لم تستطع النخبة السياسية في تونس إيجاد نوع من التكامل بين الأضلع الثلاث للحكم ونقصد البرلمان ورئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية، بل أصبح المشهد المميز لهذه السلط مزيجًا من عبارات التخويف والتخوين والاستعداد لمعارك كسر العضام.

هذه المعارك جعلت من الساحة السياسية مفتوحة على كل الممكنات، وبالضرورة يتواصل جدول الاحتقان الاجتماعي بالامتلاء والتمدد فكل صراع سياسي يستعى إليه الأتباع والخصوم، وفي لحظة من لحظات اشتعاله تنظم الفئة الصامتة لحسم المعركة، أو التموقع مع هذا الطرف أو ذاك. وهذا واقع الحال في تونس، وبمجرد إلقاء نظرة على مواقع التواصل الاجتماعي سوف نلاحظ بعمق البدايات الكلاسيكية لهذا الصراع، مضافًا إلى ذلك التصريحات الرسمية وغير الرسمية للنخبة. هذا ما يجعل الأمر على درجة من الخطورة وينذر بانفجار الألغام التي زرعتها العقول المتكلسة للفاعل السياسي.

هذا التوصيف الموجز للحصيلة السياسية فكرًا وللحالة الديمقراطية واقعًا، يجعلنا نعيد طرح السؤال: أي ديمقراطية نريد؟ ومن الممكن أيضًا أن نستعيض عنه بالمرور مباشرة إلى الحل النهائي المتمثل في رأينا بضرورة تغيير الفاعل السياسي؛ لأنه من العبث تغيير شروط اللعبة الديمقراطية والمحافظة على نفس اللاعبين لأن من يخطئ التسديد نحو المرمى عليه أولًا البحث في زوايا الإبصار أولًا، ثم التمرن جيدًا على تمرير الكرة إلى لاعب آخر، هذا اللاعب هو جيل جديد، شاب ومستعد ومتوفر بكثرة في تونس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد