لئن باتت مكافحة التنظيمات الإرهابية المنتشرة في ربوع العالم ضرورة حتمية، تعمل جميع الدول على إيجاد مخططات لاستئصالها خاصة وأنها تسعى يومًا بعد يوم للتمدد ورسم خريطة جغرافية خاصة بها، تاركة وراءها مخلفات تدمى لها القلوب .. فبعد أن بسط تنظيم داعش الإرهابي نفوذه وسيطرته في عدة محافظات في سوريا والعراق، ونفذ هناك عملياته الإجرامية المتراوحة بين الحرق والتخريب والقتل والنهب وغيرها من «الأساليب الداعشية» التي باتت معروفة لدى القاصي والداني، لم يكتفِ التنظيم بذلك فقط بل تمدد وتوسعت دائرته حتى طالت عملياته التخريبية دول عدة من العالم على غرار فرنسا، بريطانيا، بلجيكا، مصر، تركيا وتونس … إلى أن صار طموحه إعلان ليبيا ‹إمارة إسلامية› وهو ما جعل القلق يساور المجتمع الدولي من أن يتمدد التنظيم أكثر مستغلا في ذلك حالة الفوضى التي تعيشها البلاد منذ ثورة 17 فبراير (فيفري) 2011 وقتل فيها زعيمهم معمر القذافي، إلى أن صار التدخل العسكري وشيكًا اليوم في الأراضي الليبية لوضع حد لهذه التنظيمات المتطرفة.

استعداد تونس للحرب

وحالما بدأت طبول التدخل العسكري الغربي تقرع في ليبيا ضد داعش، انطلقت معها التخوفات في تونس نظرًا لما قد ينجر عنها من تداعيات خطيرة على أمنها الذي هو معضلة كبيرة لها ووضعها الاقتصادي الذي يعاني أصلًا من ظروف صعبة تثقل كاهل حكومة الصيد التي دفعت إلى تدعيم جاهزيتها العسكرية والأمنية على حدودها مع القطر الليبي خشية على أمن بلدها فالحكومة التونسية بدأت تعمل على مجابهة هذه الحرب فالحبيب الصيد رئيس الحكومة أذن لولاة جهات الجنوب الشرقي المحاذية للحدود مع ليبيا بتكوين لجان جهوية تضمّ مختلف الأطراف المعنية تعمل على اتّخاذ الاحتياطات الضرورية وإعداد خطة عمل على مستوى كل ولاية للاستعداد للتعامل الناجع والميداني مع ما قد يطرأ من مستجدات وأوضاع استثنائية وستعمل هذه اللجان بالتنسيق مع اللجنة الوطنية التي تم إحداثها إثر إجتماع خلية التنسيق الأمني والمتابعة يوم 9 فيفري (فبراير) 2016، إذ ستعزز الوجود العسكري على طول الحدود مع ليبيا والقيام بعمليات تفقدية للمنشآت للوقوف على مدى تجسيم التدابير المتعلقة بتأمين الحماية الذاتية لمؤسسات الدولة.

الوزارات التونسية وتأهبات الحرب

وزارة الدفاع هي الوزارة التي يُرمى على كاهلها حمل كبير في هذه الظروف فهي تعمل على قدم وساق لتوفر الأمن وحماية الحدود فقد قال «فرحات الحرشاني» وزير الدفاع خلال زيارته الميدانية إلى المنطقة العازلة على الحدود التونسية الليبية أنه تم استكمال بناء الجدار الرملي العازل وحفر خندق على الحدود، ووصول تعزيزات بالأفراد والعتاد. إضافة لقيام سلاح الجو بطلعات جوية روتينية لاستكشاف الحدود على امتداد 500 كلم ومنع التسلل منها.

كذالك عملت وزارة التجارة على تخزين كميات هامة من المواد الغذائية لضمان حسن تزويد الأسواق في حال توافد الليبيين عند التدخل العسكري في بلادهم وذلك للتحكم في الأسعار وعدم ارتفاعها، مشيرًا إلى أن هياكله على أهبة الاستعداد لتوافدهم على تونس في حين وضعت وزارة الصحة ثلاثة برامج متعلق باستعداد الإدارة الجهوية للصحة بمحافظة تطاوين للحالات القصوى خاصة بما هو متعلق باللاجئين الليبيين في حال تم التدخل المذكور كما أجرى المستشفى الجهوي بتطاوين عملية بيضاء للتعامل مع الإصابات المتنوعة والمتفاوتة الخطورة الناتجة عن نزاعات مسلحة وعزز المشفى طاقمه الطبي وشبه الطبي ليصبح 12 طبيبًا و38 ممرضًا وتقنيًّا إضافة الى 5 سيارات إسعاف وسيارة للمساعدة الطبية.

الهيئة الجهوية للهلال الأحمر بمحافظة مدنين القريبة من الحدود الليبية ومن خلال رئيسها منجي سليم طالبت السلطات الوطنية والمنظمات الدولية المعنية بمسائل اللاجئين والأوضاع الإنسانية، إلى إيجاد خطة طوارئ عاجلة، تأهبًا لتدفق آلاف الليبيين وغير الليبيين المقيمين بليبيا على الحدود على غرار الخطة التي سبق وأن وضعتها السلطات التونسية بالاشتراك مع المنظمات الدولية خطة طوارئ سنة 2014 تقطع مع 2011، أثناء النزاع المسلح هناك.

الهلال الأحمر التونسي بدوره أعلن جاهزيته للتعامل مع الأوضاع المنتظرة، مشيرًا في ذات الوقت إلى أنه يعمل حاليًا على التنسيق مع كافة الأطراف ذات العلاقة بالملف، سواء منها الحكومة التونسية أو المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

مشاركة تونس في الحرب

الكل التونسي مجمع على عدم المشاركة في هذه الحرب التي ستمزق أوصال ليبيا وتضر بدول الجوار أكثر من بعثها للأمن في المنطقة فرئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي دعا الدول التي تفكر في التدخل العسكري مراعاة مصالح الدول المجاورة وفي مقدمتها تونس، وعليها أن تتشاور معنا في هذا الخصوص، لأن ما يفيدهم قد يسيء لنا. موضحا أن: «أن استمرار حالة الاضطراب في ليبيا، يمثل عامل تهديد مباشر لأمن تونس وعامل إِرباك جدّيّ لاقتصادها» و هي التي ستظلّ الدّولة الأكثَر عرضة لتداعيات الأزمة الليبية .

رئيس الحكومة الحبيب الصيد أكد أن تونس لن تستعمل السلاح ضد ليبيا ولن تقوم بتدخلات عسكرية فيها لأنها دولة تؤمن بأن فض النزاعات لا يكون إلا بطريقة سلمية وتحت راية الأمم المتحدة وبالتنسيق مع تونس التي لن تغير موقفها من عدم التدخل حتى وإن كان تحت مسمى «الحرب الدولية ضد داعش» بحسب الناطق الرسمي باسم الحكومة خالد شوكات مجددًا ترحيب السلطات التونسية بكل الأشقاء الليبيين الذين قد تضطرهم ظروف الحرب إلى الفرار إلى أراضيه.

وشدد وزير الشؤون الخارجية التونسي «خميس الجهيناوي» خلال لقائه بالمبعوث الأممي إلى ليبيا «مارتن كوبلر» على ضرورة التنسيق مع تونس واستشارتها مسبقا في حال وجود نيّة للتدخل العسكري.

واكد الرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي رفضه هذا التدخل معتبره «الهدية الملكية من الغرب لداعش» و«أغبى القرارات الممكنة وأكثرها تكلفة إنسانيًا واقتصاديًا وسياسيًا» وأضاف خلال تدوينة على فيس بوك: ما لا يفهمه الذين قرّروا التدخّل العسكري في ليبيا أن أكبر ضحية ستكون تونس وهي تواجه عبئا لا تستطيع تحمّله .

تقديرات الخبراء

ولئن كانت استعدادات تونس للتدخل العسكري المحتمل في ليبيا تجري على ‹قدم وساق› وبنسق حثيث، فإن الخبراء لن يخفوا تخوفهم من تداعيات هذا التدخل، إذ أكد العميد السابق في الجيش الوطني ورئيس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل «مختار بن نصر»، إن التدخل العسكري في ليبيا أصبح مسألة وقت لا غير ويجب على تونس الحذر جيدًا من تداعياته معربًا عن تخوفه من محاولة بعض العناصر الإرهابية أو الخلايا النائمة في الجبال استغلال هشاشة الوضع مما يساعدها على القيام بعمليات إرهابية مفاجئة وإمكانية اندساس الإرهابيين «بين المدنيين الليبيين الذين سيتوافدون بأعداد كبيرة إلى تونس في صورة نفذت الدول الغربية مخططها، وقال العميد إن الوحدات العسكرية والأمنية على أتم الاستعداد مما سيجعل تونس في مأمن إلى حد ما.

ويذهب الجنرال المتقاعد من الجيش التونسي «محمد المؤدب» إلى أن سيناريوهات التدخل العسكري غير المعلنة حتى اللحظة، سواء كانت في شكل عمليات جوية فحسب أو مصحوبة بعمليات برية، ستكون لها عواقب أمنية وعسكرية هامة على تونس باعتبار تداخل الجماعات الإرهابية في ليبيا من «داعش» إلى تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي وصولاً لجماعة «بوكو حرام» التي ترتكز في أقصى الحدود الجنوبية مع ليبيا.محذرًا في ذلك من موقف القبائل الليبية التي قد تعتبر التدخل الغربي غزوًا وشكلًا من أشكال الاستعمار ويصبح الصراع في البلد «تكرارًا لسيناريو التدخل الأمريكي في العراق وأفغانستان» ، مشددًا على أن «الوضع الحالي المعقد في ليبيا وكذلك بكامل منطقة الساحل والصحراء يجعل من البلد مصدر تهديد أمني وعسكري لتونس على مدى سنوات عديدة قادمة».

هذا وإن بدأت استعدادات تونس جلية تأهبًا للتدخل العسكري في البلد المجاور، فإن السؤال الذي يبقى مطروحًا، هل أن السلطات التونسية ستكون قادرة حقا على احتواء هذه الأزمة في ظل المخاطر ووضعها الاقتصادي والأمني الهش؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تونس, سياسة, ليبيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد