تشير المشاهد الراهنة للخطابات الإعلامية الرسمية والسياسية المتفاعلة مع الحدث إلى أزمة حادة، واحتقانات عديدة سواءً على الصعيد الراهن، أو تقييم التعاطي السياسي عمومًا؛ إذ تلازم مسار الإعلان الإعلامي الرئاسي التونسي عن قرارات تتنافى مع الدستور وتأويلاته والقانون وصلاحية الرئيس بمسار آخر يتلخص برسوخ ثقافة (التدجيل والتدجين) فقد تم نشر صور مزيفة للأستاذ الغنوشي تظهره مطرودًا من البرلمان، ثم عزو مواقف كل من عارض تلك الخطوات بأنه من الإخوان المسلمين أو من حلف قطر، ووصل الأمر ببعض القنوات الرسمية إلى توصيف الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والذي أفتى بتحريم ما قام به الرئيس التونسي ونعته باتحاد القرضاوي.

لغة يسودها (العنف والمعيارية الحدية في الحكم على المخالفين في الرأي)

لم يعد خافيًا بروز شيزوفرينيا عند بعض النخب العلمانية؛ فمن يقر ويدعم السلوك والتوظيف غير القانوني لصلاحيات الرئيس، ومن يتبرم بالديمواقراطية؛ لأنها أوصلت النهضة إلى الإدارات. هذه النخب لاتؤمن بقانون ولا بانتخابات ديمقراطية.

فلا الدستور يقر باستبداد الحاكم واستغفال الشعب، ولا الديمقراطية تساند التصرف غير القانوني كذلك فهي التزام بقرار الصندوق.

الديمقراطية اختيار شعب، وليست ما يطلبه مزاج المعقدين و لا إملاء لرأس مهووس .

ومن يدعي أنه يريد الديمقراطية على ألا تأتي بخصومه فهو مع الاستبداد لزومًا؛ إذ لا بديل.

لست في هذا المقال مدفوعًا للدفاع عن أي حركة ولا أبرر لجهةٍ ما؛ لكني أقف ضد الإجرام السياسي فتجميد البرلمان يعد انقلابًا كامل الأركان .. والبرلمان المنتخب لا يغيره إلا الشعب، كما ليس موضوعنا دعم النهضة والإخوان المسلمين، ولو تم الإعلان عن انتخابات مبكرة وسقطت النهضة لما ضقنا بذلك؛ بل رحبنا بقرار الشعب كما لن ننجر إلى اختزال المشهد بالهوس الأمني من الإسلام المنتخب؛ فالأمر ليس كذلك؛ الموضوع في حقيقته هو مقاومة حالة ديمقراطية؛ إذ لا يُراد أن يكون هناك أي نموذج ديمقراطي حقيقي ناجح وراسخ فنجاح نموذج ديمقراطي عربي؛ يُعدي ويهدد.

المشكلة في تونس ليست في حظر أو إباحة ما يسمى بـ«الإسلام السياسي» فحركة النهضة لم تظهر في الحالة السياسية التونسية في لباس الدعوة والوعاظ بل إن زعميها الغنوشي يعد أحد أكبر فلاسفة الديمقراطية، والمجتمع المدني والحريات العامة في العالم العربي والإسلامي ومجلس النواب في عهده تجاوز فكرة المشروعية التشريعية إلى طرح كل الملفات المدنية للنقاش العلني من أحوال شخصية ومثلية وميراث المرأة وغيرها فلا وجه للشبه بين النهضة وغيرهم من الإسلاميين. ولذا لا مشكلة بل لاخشية ممن يمارس هويته بطريقة مرنة ومنفتحة أو تعددية ومركبة أو غنية ومتحولة؛ بل مصدر الخوف هو العكس تمامًا من علمانية متحجرة تحولت إلي ذراع أمني وهذا يوجب العمل النقدي المتواصل على الذات المجتمعية لكسر منطق التأله والقبض والتحكم والإجرام السياسي، وكذلك التحرر من إرادة المطابقة والمصادرة والاحتكار فيما يتعلق بما هو حقيقي ومعقول أو بما هو قيم ومشروع.

لب المشكلة الراهنة تكمن في تمكين حاكم من إجهاض آخر صورة مختلفة للربيع العربي، وذلك من خلال استثمار الرهق التونسي العام والأخطاء الإدارية التي وقعت النهضة فيها .

في تفسير تعسفي غير موضوعي مزق الرئيس التونسي الفصل 80 من الدستور التونسي، والذي ينص على حق الرئيس في اتخاذ التدابير اللازمة في حالة تعرض الدولة لـ«خطر داهم»، لكن الواقع يحكي أنه فسر الفصل الثمانين على هواه، ولخدمة أهدافه، وأنه لم يكن هناك «خطر داهم» يتهدد الدولة التونسية، ليدفعه لاتخاذ مثل تلك التدابير، والفصل 80 نفسه الذي استند إليه، يشترط أيضًا استمرار أعمال البرلمان ولا يخول إقالة الحكومة.

لاتظنوا أن الوجه الحقيقي للرئيس، وأن كشف العورة سيكون في مشهد واحد؛ بل لابد من حلقات عديدة تكون واقعًا جديدًا، لن تنتهي بإغلاق وترويع الصوت الإعلامي وهذا ما وقع للجزيرة، ولا بما قامت به السلطات التونسية من اعتقال نائبين في البرلمان التونسي؛ فقد أعلن القضاء العسكري حبس ياسين العياري، الذي اتهم في مطلع الأسبوع الرئيس بقيادة انقلاب، بموجب حكم صادر بحقه قبل ثلاث سنوات بتهمة التشهير بالجيش؛ بينما اعتقل النائب ماهر زيد في وقتٍ متأخر من يوم الجمعة، وفق ما قال محاميه؛ بل سيتم المضي بخطوات متسارعة ومؤكدة في توسيع الخرق وفي انتهاك الدستور وقد تم ذلك فعلًا، فقد استصدرت تعيينات ذات طابع أمني تدل علي أن العصا تجهز من تعيين وزير دفاع جديد، ثم وزير داخلية، وكذلك إقالة مدير المخابرات التابع للداخلية، كل ذلك لا يعني سوى بناء معسكر أمني، وضمان ولاء شخصي للمؤسسات الأمنية.

لم يعد خافيًا أن ثمة نزعة محافظة أمنية سلفية علمانية وتقليدية تحاول استعادة نماذج تقارير الاستخبارات في حرفيتها وتماميتها، في قراءة الواقع والتعامل مع المخالف، ولا يكاد الأمر يقتصر فقط على محاولات الاحتذاء والتمثل النصوصي لمرجعيات أمنية قمعية قديمة كانت في تفسيراتها أحادية لحل عوائق الحياة آنذاك بمنزلة استجابة لمشكلات وظواهر وأسئلة النظام الرسمي، وكطوق نجاة له ولتعديل المزاج العام وقمعه ووضعه في ظروف مقهورة…

لقد زامل استعادة لغة التهوين والتخوين إعادة إنتاج لغة تقليدية أمنية ومن ثم وعيًا موازيًا لها.

لابد من التأكيد على أن المجتمع الذي يسجن في ظروف مكانية وإمكانية محددة يتوقف ومن ثم يتخلف وقد يرقد ثم يركد، وبالتالي يُحرم من الرقي والتحول والتطور وتبعًا لذلك يتصلب ويتكلس الفكر والعقل والإحساس والعلوم والفنون والثقافة والدين ورؤية العالم، أو يتعفن فيموت أو تستهلكه الثقافة والدين والمجتمع المتحرك والمنفتح ، الذي يتوفر على التماس به.

لم يكرس في مجتمعاتنا فكرة التوافق والسلم الأهلي وفوائد المحن وضرورة تحول المجتمع إلى فريق إسعاف لا فتن ولا نيران وعلى قراءة أي أزمة على أنها تزيد من المناعة، لا تدعو إلى المنع والقهر وقد عبر العرب في أمثالهم عن الفوائد الإيجابية للمصائب عمومًا – والأزمة نوع من المصائب – فقالوا في وصف في شدة العَظم وصلابته:«كأنه كُسر ثم جُبِر» فكأن العظم الذي كُسر ثم جُبر يعود أقوى مما كان عليه قبل الكسر، وكذا الحال مع المجتمعات حين تتمكن من اجتياز الأزمة تعود بقدرة تنافسية أقوى مما كانت عليه قبل الأزمة!

ولنعترف علينا الكف عن السجال المحتقن والثقافة الكيدية بمنطق الثنائيات العقيمة أو الخانقة والمدمرة بنسخها القديمة والحديثة كما تتجسد في المعسكرات المتناحرة والاستثناءات الثقافية أو السياسية …

فلا جدوى من إلغاء أي مكون مجتمعي، والذي بات شطرنا الآخر في عصر الاعتماد المتبادل، كما لايجدي ولاتغني المناقشة بمنطق فقهي لاهوتي وعظي لكي نعرف مَن المحق ومَن المخطئ، مَن المهتدي ومَن الضال؛ خاصةً إذا كان الأمر يتعلق بالعوالم الثقافية والفضاءات الحضارية وبناء دولة ومجتمع.

وأخيرًا وبعيدًا عن الجدل حول التفسيرات المختلفة، وبما أن تلك التدابير التي اتخذها الرئيس قيس سعيد، قد باتت أمرًا واقعًا، فإن على الشعب التونسي ضرورة المسارعة في إيجاد ضمانات قانونية ودستورية، تضمن عدم تحول ما هو استثنائي إلى دائم، كما تضمن عدم تغول الرئيس، في اتجاه تركيز السلطات في يديه، وتوالي القرارات التي تستهدف الانفراد بالسلطة.

تداعيات المشهد التونسي ليست بعيدة عنا بل تمتد آثارها إلى مناطق بعيدة، وليس من قبيل الصدفة ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» عن مصدر في الوزارة، يوم الأربعاء 28 من يوليو (تموز)، أن «سوريا تشدد على أحقية الشعوب في تقرير مصيرها، وأن الدولة الشرعية في تونس والشعب التونسي قادرين على الانطلاق إلى مستقبل يقرره التونسيون أنفسهم» وأن ما حصل في تونس هو في «إطار الدستور الذي صوَّت عليه الشعب التونسي» …

الشعوب المظلومة تشرعن ثورتها من الحالة التونسية بوصفها الاستثناء العربي، وتظهر الوقائع أن أداة الاستثناء غير مرغوب فيها في بلداننا.

خوفي وتساؤلي: هل سيتقهقر التونسيون من الحرية نحو رئيس يعود بتونس إلى الإهانة والعار؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد