أعلن خليفة حفتر قائد ما يسمى بالجيش الوطني الليبي المتمركز شرق ليبيا يوم الخميس 4 أبريل (نيسان) 2019 انطلاق عملية عسكرية أطلق عليها اسم «الفتح المبين لتحرير طرابلس» وقال في رسالة صوتية وجهها لأنصاره «دقّت الساعة وآن الأوان وحان موعدنا مع الفتح المبين»، مضيفًا «اليوم نزلزل الارض تحت أقدام الظالمين الذين عاثوا فيها فسادًا لبيك طرابلس لبيك».

الباجي قائد السبسي وفائز السراج. المصدر: صفحة حكومة الوفاق الوطني في ليبيا

وتعيش العاصمة الليبية طرابلس ومحيطها منذ الخميس على وقع حرب بين قوات حفتر وأنصار حكومة الوفاق الوطني بقيادة فائز السراج المعترف بها دوليًا.

مثل إعلان حفتر مفاجأة للمجتمع الدولي بصفة عامة ولمنظمة الأمم المتحدة خاصة، إذ يراهن أمينها العام أنطونيو غوتيريس على الحوار لإنهاء الأزمة في ليبيا، وهو ما أكده خلال القمة العربية الأخيرة التي انعقدت بتونس يوم 31 مارس (آذار) 2019.

تزامن إعلان حفتر خطوته المفاجئة مع وصول غوتيريس لطرابلس للوقوف على آخر الاستعدادات للملتقى الوطني الجامع الذي تعمل الأمم المتحدة منذ مدة على إعداده بالتعاون مع مركز الحوار الإنساني والذي من المنتظر عقده من 14 الى 16 أبريل (نيسان) 2019 بمدينة غدامس، ومن المفترض أن يحضر الحوار مختلف الأطراف المتنازعة وأن يتم تمثيلها بشخصيات رفيعة المستوى.

رفض الاتحاد الأوروبي بدوره التصعيد الحاصل من قبل حفتر كما دعت روسيا وواشنطن إلى وقفه.

يجمع تونس مع جارتها الشرقية ليبيا شريطًا حدوديًّا يبلغ طوله 500 كلم وقد أثبتت التجربة التأثر المباشر لتونس بالأحداث التي تقع في ليبيا وخاصة في جهتها الغربية بما فيها طرابلس.

تحرص تونس دائمًا على أن تكون محايدة في التعاطي مع الأحداث في ليبيا وذلك من أجل لعب دور إيجابي في التوسط بينهم، إلا أن الموقف الرسمي هذه المرة خرج عن دائرة التحفظ والحياد

الموقف الرسمي التونسي رافض للتصعيد في طرابلس

أثارت الأحداث الأخيرة في طرابلس قلق الجهات التونسية، إذ دعا الباجي قائد السبسي مجلس الأمن القومي بصفة مستعجلة يوم الجمعة 5 أبريل (نيسان) 2019، وقد استعرض المجلس تطورات الأوضاع الأمنية في ليبيا، وأكد على  خطورة ما آلت إليه الأحداث، مشددًا على ضرورة تفادي التصعيد والتسريع بإيجاد حل سياسي مبني على الحوار بين كافة الأطراف، وأعلن  رئيس الجمهورية التمديد في حالة الطوارئ رغم تهديده بعدم التمديد سابقا، وفي اتصال هاتفي مع السراج عبر السبسي عن رفض تونس القاطع لهذا العدوان الذي يزعزع الاستقرار ويهدد حياة المدنيين، ودعا القوات المعتدية إلى الوقف الفوري للعدوان والعودة إلى مواقعها السابقة.

كما أعلنت وزارة الخارجية في بيان لها أن تونس تتابع بانشغال بالغ التطورات الخطيرة للأوضاع في ليبيا، وتعرب عن قلقها العميق لما آلت إليه الأحداث فيها، كما تدعو جميع الأطراف إلى التحلي بأعلى درجات ضبط النفس وتفادي التصعيد الذي من شأنه أن يزيد في تعميق معاناة الشعب الليبي الشقيق، ويهدد انسجامه ووحدة أراضيه مؤكدة على أهمية الحفاظ على المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، وتوفير كل ظروف النجاح للمؤتمر الوطني الجامع المنتظر عقده خلال الفترة القادمة، والتسريع بإيجاد حلّ سياسي دائم يمكن من إعادة الأمن والاستقرار إلى ليبيا.

النهضة ترفض الحرب في طرابلس

أصدرت حركة النهضة بلاغًا عن علاقتها بالتطورات التي تشهدها ليبيا اعتبرت فيه النزوع إلى التصعيد العسكري مدخلًا لاستباحة دماء الليبيين وتهجيرهم ومقوضًا للمسار السياسي السلمي ومهددًا للسلم الاجتماعي والأهلي فيها، مضيفة بأن هذا التصعيد يمثل خطرًا على أمن المنطقة واستقرارها، كما استنكرت النهضة في بلاغها «التدخل  السلبي لبعض الأطراف الأجنبية، الإقليمية والدولية في الشأن الليبي من خلال تأجيج الفتن وإثارة الصراعات الداخلية بدلًا من المساهمة في حقن الدماء وحماية الأنفس والأعراض» ودعت الليبيين إلى رفض الحلول العسكرية وتغليب لغة الحوار والتوافق في إطار حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا.

المرزوقي يهاجم حفتر

المرزوقي في ليبيا سنة 2014

صرح الرئيس التونسي السابق ورئيس حراك تونس الإرادة منصف المرزوقي بأن الحرب في ليبيا تأتي في إطار مواجهة ما يعتبر جيبًا من جيوب الثورة في ليبا معتبرًا أن حفتر مجرد أجير عند محور الشر العربي المتمثل في النظام الإماراتي والنظام السعودي والنظام المصري مضيفًا بأن هذه الأنظمة قررت «حفاظًا على النظام العربي القديم وخدمةً لمصالح إسرائيل ومصالح الدولة العميقة في الغرب، مواجهة الربيع العربي بكل الوسائل».

حزب في الحكومة يعلن دعم حفتر

أعلن محسن مرزوق رئيس حزب مشروع تونس الممثل في الحكومة، دعمه لحفتر وذلك عبر تدوينة له على حسابه الرسمي في موقع «فيسبوك» جاء فيها  «نعتقد أن مصلحتنا في تونس وشمال أفريقيا تتقاطع مع جهود الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر في مكافحة الإرهاب والتطرف وفوضى السلاح وهي الآفات التي نحاربها بتونس»، مضيفًا في نفس التدوينة «ونأمل أن يتم التوفيق بين المسارين السياسي والأمني، ويتوافق الشقيقان حفتر والسراج، وأن يقع الحفاظ على مكاسب الشعب الليبي».

ليست المرة الأولى التي يعبر فيها مرزوق وحزبه عن دعم حفتر فقد سبق أن زار وفدًا عن مشروع تونس بنغازي والتقى بحفتر في 22 فبراير (شباط) 2017.

السفير التونسي السابق في طرابلس غير مرغوب فيه من قبل حكومة الوفاق

أبلغت حكومة الوفاق الوطني في ليبيا عن طريق مندوبيتها في القاهرة، جامعة الدول العربية بأن صلاح الدين الجمالي المبعوث الشخصي للأمين العام للجامعة إلى ليبيا وآخر سفير تونسي في طرابلس، شخص غير مرغوب فيه، وأنها لن تتعامل معه مستقبلًا.

وأوضحت حكومة الوفاق أن الجمالي «خالف بشكل واضح وصريح كافة قرارات مجلس الجامعة على مستوى القمة أو المجلس الوزاري بشأن الوضع في ليبيا، والتي تنص على قصر التعامل مع حكومة الوفاق الوطني باعتبارها الحكومة الشرعية، والامتناع عن دعم المؤسسات الموازية أو التعامل معها».

ووصفت حكومة الوفاق لقاء الجمالي بأعضاء في الحكومة المؤقتة وآخرها لقاءه بوزير خارجيتها في تونس بالتصرفات غير المسؤولة.

انعكاسات الحرب في طرابلس على تونس

المعبر الحدودي رأس جدير

لطالما ردد المسؤولون في تونس بأن أمن ليبيا من أمن تونس وقد أثبتت التجربة هذه المقولة خلال السنوات اللاحقة لثورتي تونس وليبيا خاصة بعد ما تسببت فيه الحرب في ليبيا من انعكاسات أمنية سلبية على تونس بالإضافة إلى الانعكاسات الاقتصادية، وهو ما يفسر وضوح الموقف الرسمي الرافض للتصعيد الحاصل منذ أيام، وهو ما دفع وزارة الدفاع التونسية إلى إصدار بلاغ جاء فيه «أنه في إطار متابعتها لما يشهده الوضع الأمني في ليبيا الشقيقة من توتر، وتحسبًا لما قد ينتج عنه من انعكاسات على المناطق المتاخمة للحدود التونسية الليبية، فإنها تدعو العسكريين إلى مزيد من ملازمة اليقظة والحذر وتعزيز التشكيلات العسكرية من تواجدها، بالمعبرين الحدوديين، بكل من الذهيبة ورأس جدير، مع تشديد المراقبة باستغلال الوسائل الجوية ومنظومات المراقبة الإلكترونية، والتفطن المبكر لكل التحركات المشبوهة». وأضافت الوزارة في ذات البلاغ أنها اتخذت كل الاحتياطات والاستعدادات الميدانية لتأمين الحدود الجنوبية الشرقية ومواجهة التداعيات المحتملة.

وباتصال مع السيد عبد اللطيف المكي رئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان التونسي أكد لنا بأن «أاي حل خارج العملية السياسية يمثل خطرًا على ليبيا ومن شأنه أن ينعكس سلبيًا على استقرار وأمن تونس».

من جهته صرح لنا السيد بشير الجويني الخبير في الشؤون الليبية والمستشار الأسبق في سفارة تونس بطرابلس بأن «الانعكاسات الاقتصادية للحرب في ليبيا من أسباب الموقف الرسمي التونسي الرافض للتصعيد»، مضيفًا بأن تونس وخاصة المناطق الحدودية ستتضرر كثيرًا من هذه الحرب، مشيرًا لأن «هذا التصعيد جاء إثر التطور الذي شهدته عائدات المبادلات التجارية بين المناطق الحدودية وليبيا في الأشهر الأخيرة بمفعول الاتفاق الحاصل بين المجلس البلدي بمدينة بن قردان الحدودية والسلط الليبية».

تونس تسعى لدفع الفرقاء الليبيين للتفاوض

أكد وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي في تصريح لموقع أخبار الأمم المتحدة أثناء زيارته لنيويورك لحشد الدعم لملف التحاق تونس بمجلس الأمن كعضو غير دائم مطلع السنة المقبلة، بأن تونس تسعى لدفع الفرقاء الليبيين للالتقاء والتفاوض على أرضها خاصة وأنها دولة الجوار الوحيدة التي تركت حدودها مفتوحة مع ليبيا، مضيفًا بأن تونس تستقبل في حدود ستة آلاف مواطن ليبي يوميًا وأنها تفتح لهم مساحات للالتقاء وبحث الحلول المشتركة، مشددًا على أن ذلك لا يعني أن تحل تونس محل الليبيين أنفسهم وإن ما تقوم به هو دفعهم وتشجيعهم نحو الحل.

تبقى تونس وفية لسياستها الحيادية في علاقاتها الدبلوماسية، إلا أن خروجها على التحفظ وبروزها في شكل المنحاز لحكومة الوفاق على حساب حفتر مرده الانعكاسات السلبية المباشرة لهذه الحرب عليها ومرجعيتها في هذا التوجه هو الإجماع الدولي حوله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد