تونس الخضراء مهد الربيع العربي، بلد البوعزيزي، قصة العجب العجاب، ثورة الياسمين.

يبدو أن تونس، التي اختارها الله – سبحانه وتعالى – أن يجعل لها دورا تاريخيا هاما في تغيير التاريخ الإسلامي والعربي، وتحريك تروسه التي طالما كانت تتحرك إلى الخلف، أصرت – تونس صغيرة الحجم دوليا وإقليميا – أن تحركها إلى الأمام.

بل الأدهى من ذلك أن تونس بعدما خطت البداية بيديها مازالت مصرة أن تكتب أيضا سطور النهاية بيديها.

أشعلت نار الثورة الكامنة في صدور الشعوب العربية لتعلن بداية النهاية لزوال الاستبداد والديكتاتورية والعروش التي لطالما كانت وكلاء وعملاء للاحتلال الغربي لدول العالم الإسلامي.

قامت ثورة تونس لتعلن للعالم أن الشعب العربي والإسلامي يملك القدرة والإرادة الطموحة للتغيير والتطهر من الجاهلية التي فرضتها عليه قوى الظلام لأنه فعلا وبحق إذا ما أراد يوما الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، كما قال أبو القاسم الشابي.

وتلتها بعد ذلك موجة من الثورات العربية في ليبيا ومصر وسوريا واليمن، وتأجج العالم العربي وصار مسرحا للأحداث، وتبين للعالم الإسلامي المؤامرات والخطط التي كانت تدبر وتحاك له في السر والعلانية من أجل إكمال مخطط سايكس/بيكو لتقسيمه أكثر وأكثر، ولكن أقدار الله نفذت بعكس ما خططت له قوى الشر: كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، وسقطت الكثير من الأقنعة عن الكثير من الوجوه الكالحة التي لطالما امتلأت قلوبها بالحقد والبغضاء على أمة الإسلام، ونتيجة ذلك ظهرت قوى كانت كامنة في المجتمعات العربية. وكمنت قوى أخرى تلك التي ما اصطلح أن يسميها علماء وأساتذة العلوم السياسية باسم الدولة العميقة، والتي كانت تحتل المشهد السياسي والاجتماعي لتخطط وتدبر لعودتها من جديد.

ولم يختف من الأفق الدور الخطير والمشبوه الذي لعبته الولايات المتحدة الأمريكية من أول يوم؛ لإخضاع الثورات العربية واحتوائها، وبسرعة حتى لا يحدث ما لا تحمد عقباه، مستغلة بذلك إمكانيات علمية وبحثية من عقول طباخي السم في بلادها وللأسف بتمويل عربي خالص:(دول الخليج) الذين اجتمعوا كلهم في خندق واحد؛ وجمعهم الخوف العميق من ظهور أو عودة المارد الأخضر الذي يريد أن ينتزع ملكيته العالمية التي سلبت منه في أواخر عام 1924م بعد سقوط دولة الخلافة الإسلامية على يد أحد عملاء بريطانيا: وهو اليهودي كمال أتاتورك.

ولاحظت أمريكا وبشدة قيام تيار فكري، وهو تيار الإسلام السياسي بالعمل على إرجاع هذه القواعد والأسس والمبادئ التي انبنت عليها دولة الإمبراطورية الإسلامية من جديد مستغلا حالة الحرية التي تشهدها بلدان الربيع العربي.

مما ينذر بانتهاء عصر الهيمنة الصهيو-أمريكية على العالم أجمع.

وعودة الإسلام كقوة مهيمنة تسود وتتوغل وتنتشر حتى يصل في النهايى إلى أن يكون صاحب القرار العالمي كما كان.

ولكن الذي حدث في السنوات القلائل منذ 2011م وحتى وقتنا الحاضر من الصراعات الغير عادية والتي لعبت فيها أجهزة المخابرات الإقليمية والدولية دورًا قذرًا لقتل الروح الإسلامية والعربية في داخل المواطن العربي.

فبعد أعوام وعقود مريرة من التغريب والعلمنة والفساد الثقافي والفكري والذي أثر وبشدة في أعماق ووجدان المواطن العربي. بل تزوير تاريخه وتشويهه ومحاربته حتى في عقيدته وهويته. تخوف المواطن العربي من التجربة الديمقراطية الوليدة التي لم يعتد عليها ولم يعايشها لأنها أتت بتيار من قلبه ومن فكره ومن تاريخه ومن آماله، بل من الطين الذي خرج منه، ليظن فيه عدم القدرة، على أنه لا يستطيع أن يقف فيوجه الرفض الدولي له.

والذي حدث في تونس خيردليل؛ فبعدما نحت الثورة النظام القديم الذي أخرها عن ركب الحضارة وقهرها وقتل شبابها وأخر نموها.

رجعت تونس لكي ترتمي في أحضانه من جديد، بل الأدهى من ذلك أنها أعطته غطاء شرعيا؛ بانتخابه وتراخت عن دعم الرمز الثوري الذي أصبح رئيسا لتونس الثورة الذي ما إن سمعت خطابه وهو يتحدث باسم تونس يخيل لك وكأن التي تتكلم دولة عظمى.

وتأتي الانتخابات الرئاسية لتخيب آمال وطموحات الشعب العربي لتعلن رجوع عقارب الساعة إلى الوراء.

ليطفوعلى السطح رمز من أعتى رموز نظام المخلوع فيرده على الثورة، والذي بدوره لم يتأخر ولم يتراجع، ولم يتوانى ذلك الرجل الذي يمثل رمز الثورة المضادة والنظام المنتخب القديم في عودة كامل الجسد بشخوصه وسياساته، بل عدم الاكتراث بقوى الثورة الموجودة وبقوة على الساحة السياسية.

فكان تشكيل الحكومة مخيبا للآمال، وينم عن استحواذ للسلطة وأنانية في الانفراد بالقرار السياسي وفقد لروح التشاركية والتعددية الثورية وظهور لروح الإقصاء والتمييز في العمل السياسي، والتي ومن الغريب اتهم بها من قاد فترة ما بعد الثورة في الثلاثية الرائعة (الترويكا)، والتي حازت على جائزة نوبل في تلك التجربة الفريدة التي قدمتها كنموذج ديمقراطي لأول مرة يحدث في العالم العربي والإسلامي.

وتوالت الأحداث يوما بعد يوم والسلطة الموجودة في الحكم من فشل إلى فشل على كافة الأصعدة وفي كل الملفات، وظهر واضحا أن هذا النظام لا يعبر عن روح الثورة التي انتفض من أجلها الشباب الحر مقدما من أجل نجاحها الغالي والنفيس لكي تعود من جديد نفس الممارسات التي كان يفعلها النظام البائد.

بل لم تخل جعبته من الدسائس واللا عيب والمكر واستغلال أحداث العنف التي مرت بها البلاد لكي يزج باسم تيارات وقوى ثورية بعينها فيما يجري بالبلاد.

وكذلك قام النظام بوضع يده في أيدي قوى إقليمية ودولية لطالما كرهت الثورة وحاربتها في تونس وفي بلادها وتلطخت أيديها بدماء الشهداء الأبرار الذين ضحوا بأرواحهم من أجل حرية البلاد والعباد، بل عملت على إسقاطها.

أما الآن وفي أثناء هذه الأحداث الملتهب هو المشتعلة، والتي تعبر عن غضب المواطن التونسي وعدم رضاه عن مؤسسة الرئاسة والحكومة ككل وخروجه في تظاهرات غاضبة جارفة يصاحبها نوعا من الحرق والتدمير لبعض المنشآت.

وكأنه بذلك يعلن للعالم أن العرب لا ينفع معهم الديمقراطية والحرية، وإنما أولى بهم بيادة العسكر أو ديكتاتور ينصب نفسه إلها وفرعون يحكمهم مدى الحياة، على الرغم من تحول الموقف كاملا على المشهد السياسي، فالاستقالات الجماعية التي قام بها أعضاء الحزب الحاكم وانضمام المستقلين إلى حزب الأقلية الإسلامي الأيديولوجية ليرتفع عدده ليصبح هو الأغلبية في مشهد درامتيكي من الطراز الأول.

وبعض أن انفرط عقد الحزب الحاكم، والتي تحرق مقراته الآن تعبيرا عن الغضب الشعبي الجارف معبرا عن حالة الفشل الذي عصف بالبلاد على يده.

يبدو وكأن كفة الميزان تتأرجح ناحية التيار الإسلامي ليصبح بذلك هو المتصدر للمشهد برمته وعلى عاتقه أن يخرج البلاد من حالة الفوضى والارتباك التي تشهدها حاليا، ولابد أن يعلم المواطن العربي، إنما يجري ليس في صالح قوى التيار الإسلامي! بل هي مؤامرة ودسيسة لا تخلو من المكر والدهاء.

والذي يتفقد الحالة الراهنة يرى أن الديمقراطية التونسية التي نجحت نجاحا باهرا في اختيار من يمثلها حتى ولو كان النظام القديم فقد بات الشعب يتأرجح ويميل لكي يقع في حجر الإسلاميين بكل ثقله وسوف لن يرضى بغيرهم بديلا بعد ذلك.

فالتظاهرات والحراك الذي يحدث في الشارع العربي التونسي الآن، والذي يأخذ غطاء شعبيا واجتماعيا مائة بالمائة.

يمثل في المقام الأول انقلابا على شرعية الطرف الذي مالت ناحيتها لجماهير وليس العكس، فإذا ما صارت الأمور في مسارها الطبيعي فإن الديمقراطية التي يخوضها الشعب العربي التونسي ستنظف نفسها من درن العمالة والخيانة وستختار بحق عملاء الوطن والدين وليس عملاء الاحتلال.

الذي يحدث بحق استنساخ لتجربة 3/7 في مصر بالضبط، وليس في ذلك شكل كل عاقل يتأمل المشهد الحالي، فالإسلاميون الذين أدركوا أن المرحلة ليست لهم وابتعدوا عن المشهد واختاروا أن يكونوا وبحق خدما للناس، حتى لا يقال أنهم طمعوا في السلطة.

ها هي السلطة تتدحرج في جحورهم بقوة الشعب، ولكن القوى الدولية لا يرضيها نجاحا لفكره الإسلامية مهما كلفها ذلك من جهد وعناء وبذل أموال.

فها هو المشهد يصطنع من أجل إرباكهم ووضعهم في مربع الصفر مرة أخرى، الذي يحدث الآن في تونس لا يخدمها، وإنما يسير بها إلى نفق مظلم لا يعلم متي ستخرج منه البلاد.

غير أن أقدار الله التي لا ترضى، إلا العدل وإحقاق الحق واستجابة لدعوة الذين ظلموا وقهروا وتحطمت آمالهم واستشهد فلذات أكبادهم.

فهناك نقطة ضوء في بداية هذا النفق، وهو أن الأحداث التي تحدث الآن والتي تجري على أرض تونس ترجع بذاكرة الشعب المصري إلى الوراء في عملية (فلاش باك) سريعة وخاطفة سوف ترى زخمها ونتيجتها على أرض مصر المحبوسة وسوف تكون علامة فارقة في الخامس والعشرين من يناير القادم إن شاء الله.

وتلك هي النهاية الفعلية لحكم العسكر في مصر ووكلاء وعملاء الاحتلال في تونس.

تخط هذه النهاية تونس بيمينها كما خطت بدايتها بشمالها، والأيام القليلة القادمة خير دليل على ما نتوقعه ونستشفه ونرصده من وقائع اجتماعية ثورية حقيقية تحدث على أرض الواقع.

خططت لها ودبرتها واصطنعتها قوى الشر لكي تعبث بإرادة الأمة وتنقلب عليها مرة أخرى، ولكن الله سبحانه وتعالى صاحب القول الفصل يحقق وعده لعباده المؤمنين كما قال عن هؤلاء الذين لا يعجزونه لا في الأرض ولا في السماء.

(إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون).

وبعد ذلك تنتقل مقاليد الأمور لمن استضعفوا ليحقق رب العزة العدالة الإلهية التي لطالما تحققت في أكثر من تجربة سابقة وها هي تركيا تشهد على ما نقول.

قال تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين).

صدق الله العظيم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تونس
عرض التعليقات
تحميل المزيد